وسائل إعلام إسرائيلية تتحدث عن استعداد إسرائيل لإرسال قوات إلى مدينة رفح- صورة تعبيرية.
وسائل إعلام إسرائيلية تتحدث عن استعداد إسرائيل لإرسال قوات إلى مدينة رفح- صورة تعبيرية.

أكدت إسرائيل مرارا على هدفها  الأول بالحرب في قطاع غزة، المتمثل في "تدمير حركة حماس" المصنفة إرهابية في الولايات المتحدة ودول أخرى، ويناقش مختصون تحدث إليهم موقع "الحرة" سبل تحقيق ذلك، في ظل اعتماد الحركة على "أيديولوجيا يصعب القضاء عليها".

وتوقع تقييم جديد للمخابرات الأميركية، أن إسرائيل ستكافح من أجل تحقيق هدفها المتمثل في "تدمير حماس"، في وقت يحتمل أن تواجه مقاومة مسلحة مستمرة لحماس لسنوات مقبلة، كما سيكافح الجيش الإسرائيلي لتحييد البنية التحتية تحت الأرضية لحماس، التي تسمح للمسلحين بالاختباء واستعادة قواهم ومفاجأة القوات الإسرائيلية، وفق تقرير "تقييم التهديد السنوي لعام ٢٠٢٤".

التدمير "الشامل" لحماس؟

ويشير المحلل السياسي الإسرائيلي، شلومو غانور، إلى أن "تفكيك البنية الإرهابية والعسكرية والحكومية من أهداف الحرب في غزة منذ بدايتها".

ولتنفيذ تلك الأهداف فالحرب سوف تكون "طويلة الأمد"، وعملية التفكيك سوف تستمر وقتا طويلا، حتى بعد توقف عمليات القتال نفسها، وقد يستغرق لك "شهورا"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

وإسرائيل مصرة على "تدمير المنشآت ومستودعات السلاح والأنفاق التابعة لحماس"، ولذلك فحتى لو انتهت الحرب الفعلية فمدة تدمير البنية الحمساوية سوف تستمر لأشهر طويلة، حسبما يؤكد غانور.

ويري المحلل السياسي الإسرائيلي، مردخاي كيدار، أن هدف تدمير حماس والقضاء عليها "لا رجعة فيه" مهما كانت صعوبة ذلك.

كما أن القضاء على حماس مطلب جماهيري إسرائيلي، بغض النظر عن طريقة تنفيذ ذلك، ويجتمع على ذلك الهدف كافة التيارات والتوجهات السياسية، لأنه "لا يمكن التعايش مع حركة إرهابية"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويؤكد كيدار أن "تدمير حماس يجب أن يكون بشكل شامل"، ويتم ذلك سياسيا وعسكريا، فالجيش يتحرك على الجانب العسكري، وبناء على توجيهات سياسية يعبر عنها الحكومة والكنيست، وذلك لتنفيذ ما يريده الجمهور الإسرائيلي.

عسكريا أم فكريا؟

وبدوره، يؤكد المحلل السياسي الإسرائيلي، يوآب شتيرن، أن القضاء على حركة حماس وتدميرها "أمر صعب التنفيذ للغاية".

وحماس "مبنية على أيديولوجيا" وهي في الأساس "حركة عقائدية"، ولذلك فهي لا تعتمد على "الوجود المادي فقط"، ولكنها تستند إلى "أفكار"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويشير شتيرن إلى أن "إسرائيل تستطيع تدمير البنى التحتية للحركة وهذا تم بالفعل، فحماس اليوم ليست حماس ما قبل الحرب"، لكن "الأفكار لا يمكن القضاء عليها".

وفي حديثه لموقع "الحرة"، يؤكد المحلل السياسي الفلسطيني، أيمن الرقب، أن القضاء على حماس "ليس سهلا"، ويعني استمرار الحرب لسنوات طويلة.

ويري أن إسرائيل ساهمت في "نمو أفكار حماس" خلال وجودها في قطاع غزة، وذلك على أمل القضاء على فتح، وخلال الحرب الحالية راج اسم حماس "ومن كان لا يعلم بها أصبح يعلم".

وحماس تحمل "أفكارا دينية" ورغم تراجع شعبيتها في قطاع غزة، عما كانت عليه قبل الحرب، لكن تلك الشعبية "زادت واتسع نطاقها" في الضفة الغربية والقدس، وخارج الأراضي الفلسطينية، حسبما يرى المحلل السياسي الفلسطيني.

ولذلك فمن الصعب القضاء على "أفكار حماس أو محوها ولديها قاعدة شعبية في ازدياد بالضفة الغربية والقدس وخارج الأراضي، لأن الناس ترى فيها (المخلص)"، وفق الرقب.

من جانبه، يؤكد الباحث المختص في شؤون الشرق الأوسط، فادي عيد، أن إسرائيل "نجحت في تحجيم وتقزيم قدرات حماس عسكريا"، لكن "المستحيل بعينه هو تصفية فكر الحركة وأيديولوجيتها".

وفي بداية الحرب كانت إسرائيل في مواجهة مع حماس، لكنها حاليا في "مواجهة مباشرة مع قطاع غزة ككل، أي مع ما يزيد عن 2 مليون مواطن فلسطيني وليس 50 ألف مسلح فقط"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويرى عيد أن الحرب في غزة "جعلت من كل طفل مشرد أو جائع أو نازح أو يتيم مشروع لعنصر حمساوي، إن لم يتجه للأكثر تطرفا".

أما الباحث المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة، منير أديب، فيعتقد أن "تدمير حماس أو القضاء عليها أمرا مستحيلا"، نظرا لامتلاكها "قدرات عسكرية وطابع أيديولوجي".

والحرب المستمرة في غزة منذ ٥ أشهر قد "أضافت لرصيد حماس، وزادت شعبيتها في الداخل الفلسطيني"، وبات فلسطينيون ينظرون للحركة على أنها "حركة مقاومة تدافع عنهم في مواجهة الجيش الإسرائيلي"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويرى أديب أن إسرائيل تعاملت بشكل خاطئ خلال الحرب بغزة، فبدلا من "تحييد الحركة، واستهداف عناصرها فقط، قامت بضرب الجميع، مما أعطى حماس رصيدا وقوة شعبية أكبر".

معضلة

تعهدت إسرائيل بـ"تدمير حماس" كقوة عسكرية وسياسية، بينما تهدف حماس على المدى الطويل إلى "محو الدولة الإسرائيلية".

ومرارا وتكرار، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، أن بلاده ستواصل حربها الحالية في غزة حتى تحقق "التدمير الكامل لحماس".

وفي المقابل، يدعو الميثاق التأسيسي لحماس لعام 1988 إلى "تدمير إسرائيل ويرفض الاعتراف بها"، وعرض زعماء الحركة أحيانا "هدنة طويلة الأمد" مقابل إقامة دولة فلسطينية قادرة على البقاء على جميع الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967.

ويشير غانور إلى أن " حماس لا يمكن أن تسلم بوجود دولة إسرائيل"، فميثاق الحركة وشعارها العلني "من النهر إلى البحر"، "يعني "عدم الاعتراف بالدولة الإسرائيلية".

ولذلك فالحل السياسي مع حماس "غير وارد"، لأن أيديولوجية الحركة تتعلق بـ"محو الدولة الإسرائيلية"، وفي مواجهة ذلك يجب "الصبر والإصرار" على تنفيذ مشروع "تدمير حماس"، مهما طال الزمن، وفق المحلل السياسي الإسرائيلي.

ويتحدث غانور عن سبيل القضاء على "أيديولوجيا حماس"، وذلك بـ"إيجاد حلول ملائمة واقناع معتنقي تلك الأفكار بتغيير أو تخفيف وطأة ذلك النهج"، مما يعني أن "المواجهة الأيديولوجية ستكون "مترسخة لسنوات".

ويتفق معه كيدار الذي يؤكد أن الجميع في إسرائيل يريد القضاء على حماس لأن "العقلية الحمساوية قد تتورم وتتوغل وتصل إلى داخل إسرائيل، وهناك بالفعل بوادر لذلك"، على حد وصفه.

أما شتيرن فيشير إلى "عدم وجود رؤية استراتيجية أو طرح سياسي حكومي إسرائيلي لمستقبل الحكم في غزة"، مما يجعل "محاولة أبعاد حماس عن مراكز القوى بالقطاع، غير ممكنا".

ومن جانبه، يؤكد الرقب أن حماس حركة "عابرة للحدود والدول ولا تعتقد أن فكرها منحصر بدولة محددة"، وبالتالي فمثل تلك التنظيمات "لا تنتهي لكنها تدخل حالة ثبات وتعود لتنطلق من جديد".

والقضاء على الحركة في قطاع غزة سيحتاج لسنوات ومؤيدين الحركة علنا قرابة نصف مليون، وقد يتغير اسم حماس وتتبنى اسما جديدا لكن "الفكر سيبقى موجودا".

وفي سياق متصل، يؤكد عيد أن "حتى لو انتهت حماس عسكريا ستظهر بعدها فرق وحركات وجماعات أخرى قد تكون أشد تطرفا وكراها لإسرائيل".

ما الحل؟

يري غانور أن "المواجهة الفكرية لحماس"، تكون عبر تحسين الأوضاع المعيشية للفلسطينيين، وإيجاد حلول سياسية للقضية، ووضع المواطن الفلسطيني أمام خيار أفضل مما تقدمه له الحركة.
 
ويجب تشجيع العناصر المعتدلة في المجتمع الفلسطيني، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية للفلسطينيين، ومنح الشعب الفلسطيني أفقا سياسيا، وتربية الأجيال القادمة على نهج "التعايش السلمي وحسن الجوار، وأن الحياة أفضل من الاستشهاد والموت"، وفق غانور.

ويجب كذلك التأكيد أن "المستقبل للجميع بلا استثناء، والبناء هو الحل وليس الدمار والوعود الخيالية التي تقدمها حماس"، حسبما يشدد المحلل السياسي الإسرائيلي.

ومن جانبه، يشدد شترين على أن "الحل يمكن في اتخاذ الحكومة الإسرائيلية "خطوات سياسية"، وبينما لا تستطيع إسرائيل، أو لا تريد، السيطرة على قطاع غزة بشكل مباشر، فعليها البحث عن بديل".

وحسب المحلل السياسي الإسرائيلي. يجب أن تعمل الحكومة الإسرائيلية على أن يكون هناك "نظام حكم أخر في قطاع غزة لمواجهة فكر حماس، واستبدال الحركة بجهات وقوات أخرى داخل القطاع".

وطالما هذا لم يحدث فالمعركة مع حماس "معقدة جدا" وقد تستغرق سنوات طويلة، وفق شتيرن.

ومن جانبه، يقول الرقب إن "الأفكار تولد وبعد الحرب في غزة، زادت الكراهية وأصبح وجود حماس أكبر وأكثر انتشارا حتى إن لم يكن ذلك علنا".

وبالتالي فالحل يتمثل في "فتح حوارات سياسية جدية مع جميع التنظيمات"، مما يؤدي لتقليص أهدف حماس باتجاه الحل السياسي وتأسيس دولة فلسطينية مستقلة"، وفق الرقب.

ويؤكد المحلل السياسي الفلسطيني، أن حماس تقبل بالسلام من منطلق "الهدنة"، وإذا تم الاتفاق على "هدنة 50 عاما"، تفضي بالنهاية لقيام دولة فلسطينية مستقلة، مما يعني "تراجع حدة انتشار أفكارها".

وفي سياق متصل، يؤكد عيد أنه "لا يمكن مواجهة أيديولوجيا حماس، طالما الحرب مستمرة، ولم يتم وضع حلول لجذور الصراع العربي الإسرائيلي".

وبالتالي "فالحل يكمن بتنفيذ حل الدولتين، وتأسيس دولة فلسطينية مستقلة، وفق عيد.

وأدت الحرب في غزة إلى نزوح معظم سكان غزة البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة، وتكدس العديد منهم في خيام مؤقتة في جنوب مدينة رفح، وسط شح في إمدادات الغذاء والإمدادات الطبية الأساسية.

واندلعت الحرب في قطاع غزة إثر هجوم حركة حماس غير المسبوق في السابع من أكتوبر، الذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تعهدت إسرائيل "القضاء على الحركة"، وتنفذ منذ ذلك الحين حملة قصف أتبعت بعمليات برية منذ 27 أكتوبر، ما تسبب بمقتل 31272 فلسطينيا، غالبيتهم من النساء والأطفال، وإصابة 73024، وفق ما أعلنته وزارة الصحة التابعة لحماس، الأربعاء.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".