بحسب "الدولية للمعلومات" وهي شركة دراسات وأبحاث وإحصاءات علمية مستقلّة، شهد لبنان زيادة في عدد حالات الطلاق عام 2023 مقارنة بعام 2018، حيث سجل الأول 8541 حالة طلاق، والثاني 7995 حالة طلاق.
بمقارنة هذين العامين معاً، يُطرح سؤال حول مدى تأثير الأزمة الاقتصادية على العلاقات الأسرية في لبنان. يقول الكاتب الاقتصادي باسل الخطيب، إن الأزمة المستمرة منذ عام 2019 حتى الآن "زادت معدلات الطلاق".
ويضيف: "مع انخفاض قيمة الرواتب وارتفاع الغلاء المعيشي، وجد العديد من الأزواج أنفسهم عاجزين عن توفير مطالب الأسرة ومنهم من استسلم ووجد في الطلاق طريقة للهروب من الضغوطات".
ويوضح الخطيب لـ"ارفع صوتك": "من المعروف أن الأزمات غالباً توطّد أواصر الأسرة انطلاقاً من مفهوم (المصيبة الواحدة التي تجمعنا) كما يحصل مثلا في زمن الحرب أو في أوقات الكوارث، لكن في لبنان ثبت العكس، حيث أصبحت لكل طرف دوافعه للانفصال".
"فإما الزوج العاجز عن تأمين المصاريف وإما الزوجة العاجزة عن تحمل التغير الدراماتيكي لنمط الحياة أو التي ترفض التحول إلى المعيل الوحيد في أحيان أخرى"، يتابع الخطيب.
في الواقت ذاته، يلفت الكاتب اللبناني إلى أن "الطلاق لا يعني فقط المسجّل في المحاكم الدينية، إنما قد يشمل فسخ الخطوبة والانفصال دون تثبيت الطلاق لأسباب عدة".
الأزمة كعامل "مسرّع"
في السياق نفسه، ترى الدكتورة تيريز سيف، وهي مديرة معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، أن الزواج في لبنان "لا يخضع للقانون المدني بل للمحاكم الدينية الخاصة بكل طائفة"، بالتالي قد تنخفض معدلات الطلاق لدى بعض الطوائف التي يصعب فيها الطلاق كما لدى الطائفة الكاثوليكية.
وهذا يعني، بحسب سيف، أن رمزية الطلاق ومدلولاته تختلف باختلاف معدلاته داخل كل طائفة، نظراً لأن لكلٍ منها خصوصيتها.
وتضيف لـ" ارفع صوتك"، أنه وبمعزل عن الأرقام والإحصاءات، "لا شك أن الأزمة من الأسباب المعجّلة لحدوث الطلاق دون أن يعني ذلك أنها المسبب الرئيس".
تتابع سيف: "الضائقة الاقتصادية وكثرة المسؤوليات من العوامل المؤثرة، خصوصاً أن الأشخاص يشعرون بأن الأعباء تثقل كاهلهم وتخنقهم، يضاف إلى ذلك الاختلاف في وجهات النظر وتقاذف للمسؤوليات، ما يزيد الصراعات وتشعر المرأة بثقل مضاعف، كأن يتوجب عليها مثلاً تولي مسؤوليات الرعاية في المنزل إلى جانب مضاعفة جهودها في مكان العمل".
كما دفعت الضائقة الاقتصادية بأحد الطرفين للتلكؤ، الأمر الذي يزيد من الأعباء على الطرف الآخر، كما تقول سيف.
والطلاق لا يعني مشكلة بحد ذاتها، إذا ما نظرنا له كحل بين طرفي العلاقة اللذين لم يكن أحدهما مثلا يجرؤ قبل الأزمة على طلب ذلك.
أيضاً، تقول سيف "بات من السهل الإعلان عن الطلاق، ففي السابق لم يكن ذلك سهلاً أو متقبلاً، كما ازدادت الجرأة بفضل التطور الاجتماعي وديناميكية المجموعات، وبات من المهم تحديد المسؤوليات في ظل الاستقلالية المادية وتشجيع الإنسان على تحقيق ذاته".
وتجد أن هناك العديد من العوامل المؤثرة على اتخاذ قرار الطلاق، مثل الاختبارات الصعبة التي وقع بها الكثير من اللبنانيين جرّاء الأزمة الاقتصادية ورؤية "جنى عمرهم يضيع أمامهم" في إشارة إلى الأموال العالقة في المصارف بعد انهيار الليرة، وأيضاً أزمة فيروس كورونا، عدا عن زيادة الوعي بالحقوق والواجبات والأحكام الدينية التي لا تقبل الظلم في العلاقات الزوجية.
ومقابل الارتفاع في عدد حالات الطلاق، سجّل عام 2023 انخفاضاً بواقع 30553 حالة زواج، مقارنة مع عام 2018 (قبل الأزمة)، الذي شهد تسجيل 36287 حالة زواج، وفق أرقام الدولية للمعلومات.
وهنا تلعب الأزمة الاقتصادية عاملاً مهماً، حيث نقص المدخول المالي وقلة الفرص وهجرة الآلاف من اللبنانيين لدول عربية وأجنبية هرباً من الواقع المتردّي.
