آليات عسكرية إسرائيلية قرب الجانب الفلسطيني من معبر رفح
آليات عسكرية إسرائيلية قرب الجانب الفلسطيني من معبر رفح | Source: idfanc.activetrail.biz

بين حديث عن "شركة خاصة"، ووضع "سابق" بإدارة فلسطينية بالتنسيق مع السلطات المصرية، وسيطرة عسكرية إسرائيلية "قائمة"، تثار تساؤلات حول الجهة المسؤولة "مستقبلا" عن تشغيل معبر رفح، فلمن ستكون "السيطرة المستقبلية" على البوابة الحدودية الاستراتيجية؟

لمن "السيطرة المستقبلية"؟

الثلاثاء، أعلن الجيش الإسرائيلي، سيطرة قوات خاصة إسرائيلية على الجانب الفلسطيني من معبر رفح، وهو ما أدانته وزارة الخارجية المصرية.

مصر تدين العمليات العسكرية الإسرائيلية في مدينة رفح الفلسطينية وسيطرتها على الجانب الفلسطينى لمعبر رفح ————————- أدانت...

Posted by ‎الصفحة الرسمية لوزارة الخارجية المصرية‎ on Tuesday, May 7, 2024

والتزمت إسرائيل أمام الولايات المتحدة ومصر بتقييد عمليتها في مدينة رفح، مع التركيز فقط على الجانب الشرقي من المدينة، وتوكيل شركة "أمنية أميركية خاصة" بتسيير المعبر بعد نهاية عملياتها، وفق ما ذكرته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية.

ويشير الخبير العسكري والاستراتيجي الإسرائيلي، كوفي لافي، إلى أن مقترح إدارة شركة أميركية خاصة للجانب الفلسطيني من معبر رفح هو "واحد من عدة مقترحات موجودة حاليا على الطاولة".

وفي الوقت الحالي يركز الجيش الإسرائيلي على استكمال الحملة العسكرية وتحقيق كافة أهدافها بتدمير حماس واستعادة المختطفين، وحسب النتائج سيكون "الطرح الأنسب" هو الأكثر قابلية للتنفيذ، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويؤكد لافي أنه "في حال استمرار حماس في تهديد المدن الإسرائيلية، وعدم القضاء على الحركة فسيكون هناك حاجة لبقاء الجيش الإسرائيلي وتطهير المنطقة".

وهناك مقترحات لإدخال قوات فلسطينية وعربية "توافق إسرائيل على تواجدها"، لإدارة قطاع غزة كاملا وكجزء منه المعبر، وذلك بشكل "دائم أو مؤقت"، لكنه  يبقى "احتمال ضعيف"، حسبما يوضح الخبير العسكري والاستراتيجي الإسرائيلي.

ويرى أن من المقترحات "إدارة شركة أميركية خاصة" للجانب الفلسطيني من معبر رفح، لكن يجب أن يتم ذلك بتوافق ثلاثي بين إسرائيل والولايات المتحدة ومصر.

ويجب أن تكون هناك "موافقة مصرية كاملة" على مقترح الشركة الخاصة، ولذلك فإن "الموقف المصري" سيحدد مدى إمكانية التطبيق من عدمه، وفق لافي.

بدوره يؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي الإسرائيلي، العقيد موشى إلعاد، أن مقترح إدارة شركة أميركية خاصة للجانب الفلسطيني من معبر رفح هو "الحل الأمثل".

وإدارة شركة أميركية خاصة للمعبر بعد انتهاء العمليات العسكرية يعني "مشاركة الولايات المتحدة بقضية اليوم التالي في قطاع غزة"، ما يمثل "تطور إيجابي"، وفق حديث العقيد السابق بالجيش الإسرائيلي لموقع "الحرة".

ويرى إلعاد أن المقترح يعني "عدم إدارة إسرائيل للجانب الفلسطيني من معبر رفح، وبالتالي وجود شركة خاصة تدير المنشأة، ويكون ذلك بالتنسيق مع الجانب المصري".

وحسب "هآرتس" فتجرى حاليا مفاوضات بين الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل لتولى "شركة خاصة" (لم يذكر التقرير اسمها) مسؤولية تشغيل "الجانب الفلسطيني من معبر رفح"، عندما يكمل الجيش الإسرائيلي عملياته المحدودة في منطقة المعبر الحدودي.

وتوظف الشركة التي يجري الحديث عنها أفراد من قدامى المحاربين من وحدات النخبة في الجيش الأميركي، وعملت في عدة دول بأفريقيا والشرق الأوسط، وقامت بحراسة مواقع استراتيجية مثل حقول نفط ومطارات وقواعد عسكرية ومعابر حدودية حساسة.

ويشمل دور الشركة مراقبة البضائع التي تصل إلى القطاع من مصر، ومنع حماس من إعادة السيطرة على المعبر، وستساعدها إسرائيل والولايات المتحدة عند الضرورة.

كيف يرى الجانب المصري المقترح؟

يعتبر معبر رفح بوابة العبور الرئيسية للمساعدات الإنسانية الحيوية من مصر إلى قطاع غزة مباشرة، وهو المخرج الوحيد الذي لا يؤدي إلى الأراضي الإسرائيلية.

ويقع المعبر على طول سياج طوله 12.8 كلم، ويفصل بين جنوب قطاع غزة، وشمال شبه جزيرة سيناء المصرية.

ويؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء أركان حرب، سمير فرج، أن السيطرة على معبر رفح من الجانب المصري "سيادة مصرية على أرض مصرية لن تقبل مصر أبدا بأي تغييرات بشأنها". 

وفيما يخص مقترح إدارة شركة أميركية خاصة للجانب الفلسطيني من معبر رفح، فلا يوجد "موقف رسمي مصري" بشأن ذلك، لكن قوات من الاتحاد الأوروبي كانت "مسؤولة سابقا مع السلطة الفلسطينية عن إدارة الجانب الفلسطيني من المعبر"، وفق حديث اللواء فرج لموقع "الحرة".

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي المصري أن مقترح سيطرة شركة أميركية خاصة على الجانب الفلسطيني من معبر رفح "قد يكون مقبولا"، لكن بشرط "مشاركة السلطة الفلسطينية في إدارة المنشأة"، وألا تقتصر السيطرة على الجانب الإسرائيلي والأميركي فقط.

وقد يكون مقترح سيطرة سلطة أميركية إسرائيلية فلسطينية مشتركة "أكثر قبولا"، ولن يكون لمصر "أي دور في ذلك الشأن"، وستعنى السلطات المصرية بـ"السيادة على الجانب المصري من معبر رفح"، وفق اللواء فرج.

بدوره يشير المتحدث العسكرى الأسبق للجيش المصري، العميد محمد سمير، إلى أن ثوابت السياسة الخارجية لمصر أنها "تدرس أي مقترح أو طرح"، لكن الموافقة من عدمها ستأتي حسب "مقتضيات الأمن القومي المصري".

وأي مقترح بشأن مناطق حدودية مع مصر، يجب أن يحظى بالموافقة المصرية، وإذا تعارض ذلك مع مقتضيات الأمن القومي المصري فلا يمكن "بأي حال من الأحوال" أن توافق عليه مصر، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويستبعد العميد سمير أن توافق مصر على "مقترح إدارة شركة أميركية خاصة للجانب الفلسطيني من معبر رفح بالصيغة الحالية".

ما رأي الجانب الفلسطيني؟

تغيرت السيطرة على قطاع غزة عدة مرات على مدى السنوات الـ 70 الماضية، فكانت تحت السيطرة المصرية في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، وسيطرت عليها إسرائيل في حرب عام 1967.

وفي عام 1979، وقعت مصر وإسرائيل معاهدة سلام وافق فيها  الجانب الإسرائيلي على الانسحاب من شبه جزيرة سيناء بأكملها التي احتلها عام 1967. 

وانسحبت إسرائيل لاحقا من سيناء على عدة مراحل انتهت آخرها في 26 أبريل 1982، ثم فتحت السلطات الإسرائيلية معبر رفح، الذي كانت تسيطر عليه حتى انسحابها من غزة في عام 2005. 

ومنذ ذلك الحين وحتى استيلاء حماس على الحكم في قطاع غزة في عام 2007، كان المعبر تحت سيطرة الاتحاد الأوروبي، الذي عمل بشكل وثيق مع المسؤولين المصريين.

ويؤكد الخبير العسكري والاستراتيجي الفلسطيني، اللواء ركن متقاعد، واصف عريقات، أن "جميع المقترحات تأتي قبيل التوقيع على اتفاقية محتملة بين حماس وإسرائيل".

ولن تقبل حماس بتواجد أو سيطرة "غير الفلسطينيين" على المعابر، وهذا شأن "فلسطيني داخلي"، وبالتالي فالسيطرة على المعبر يجب أن تكون "فلسطينية كاملة"، وفق حديثه لموقع "الحرة".

وإذا تم التوصل لاتفاق بين حماس وإسرائيل ووقف إطلاق نار بالقطاع وانسحاب الجيش الإسرائيلي، سيكون هناك "نقاشات سياسية" حول مستقبل إدارة الجانب الفلسطيني من معبر رفح، وإلا سوف "تستمر المقاومة" وبالتالي سوف تستمر الحرب، حسبما يشير اللواء عريقات.

واندلعت الحرب إثر هجوم حركة حماس غير المسبوق على مناطق ومواقع محاذية لقطاع غزة في السابع من أكتوبر، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تعهدت إسرائيل "القضاء على الحركة"، وتنفذ منذ ذلك الحين حملة قصف أتبعت بعمليات برية منذ 27 أكتوبر، أسفرت عن مقتل 34789 فلسطينيا، معظمهم من النساء والأطفال، وفق ما أعلنته وزارة الصحة في القطاع.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".