بعض محاصيل الفراولة ثبت احتواءها على مواد مسرطنة - صورة تعبيرية.
بعض محاصيل الفراولة ثبت احتواءها على مواد مسرطنة - صورة تعبيرية.

تحت عباءة مخادعة تسلّلت مواد سامة ومسرطنة إلى حقول العديد من اللبنانيين وموائدهم، مهددة صحتهم وحياتهم. فمع كل لقمة طعام، تزداد احتمالية تأثر الكثيرين بالسموم القاتلة التي تستخدم في زراعة بعض الخضار والفاكهة.

وتكشفت فضيحة مدوية جديدة، حيث أعلن عضو كتلة "اللقاء الديمقراطي"، النائب وائل أبو فاعور، عن شبكة إجرامية منظّمة تستورد أدوية زراعية ضارة بالصحة، وذلك بعد متابعة حثيثة ميدانية واستقصاءات وجمع معلومات حول قيام أشخاص وشركات باستيراد وتوزيع وبيع هذه المواد الممنوعة محليا وفي دول عديدة، ليتقدّم بعدها بإخبار إلى النائب العام التمييزي، القاضي غسان عويدات.

هذه المواد تُسبب كما يؤكد أبو فاعور "السرطان والتسمّم والأمراض التي تصيب الجهاز العصبي، وتؤدّي إلى تلف الدماغ لدى الأطفال وفقدان الذاكرة، كما وتؤثر سلباً على الكبد والكلى، وتسبب مخاطر صحية أخرى، فضلاً عن الإعاقات، كما قد تسبب تسمّماً قاتلاً في بعض الحالات".

وفي حديث مع موقع "الحرة" يشرح أبو فاعور أنّه سبق له، حين كان وزيراً للصحة عام 2016، وبالتعاون مع وزير الزراعة آنذاك، أكرم شهيب، منع دخول هذه المواد إلى لبنان التزاماً بمعايير منظمات الرقابة الدولية كمنظمة الصحة العالمية.

ويشير إلى أن "بعض الشركات الزراعية احتالت على قرار المنع، الذي ما زالت وزارة الزراعة تنفّذه، وقامت بتهريب هذه المواد من سوريا أو عبر المرفأ، أو إدخالها بطريقة شرعية، حيث تحصل على موافقات من وزارة الصحة تحت مسميات مبيدات حشرية للمنازل والمستودعات، لكن بدلاً من ذلك يتم استخدامها في رش المزروعات".

وما زاد الطين بلة، هو ما نقله برنامج إذاعي عن المدير العام لمصلحة الأبحاث العلمية الزراعية، الدكتور ميشال أفرام، حول نتائج صادمة للفحوصات التي أجرتها المؤسسة الرسمية على بعض المحاصيل من فاكهة الفريز (الفراولة)، والتي أثبتت احتواءها على مواد مسرطنة.

جرائم مثبتة

على الرغم من معرفتهم بالأضرار الجسيمة لهذه الأدوية الزراعية، يقوم أفراد الشبكة الاجرامية بحسب أبو فاعور "باستيرادها وتوزيعها عن طريق الغش والاحتيال والتزوير، دون أي مراعاة للقوانين أو صحة الإنسان".

وتشكل هذه الأفعال جرائم يعاقب عليها القانون اللبناني، "بما في ذلك التسبب عن قلة احتراز وإهمال وعدم مراعاة القوانين في انتشار الأمراض الوبائية، وتسويق وبيع مواد مُضرة بالصحة العامة، كما تشكل هذه المواد خطراً جسيماً على البيئة".

وقدّم أبو فاعور للقضاء تقارير تُثبت احتواء هذه الأدوية على مواد مسرطنة تفوق الحد المسموح به "لذلك هي ممنوعة من قبل جميع دول العالم، حتى في دول المنشأ"، ويقول "تم تحويل الملف إلى قاضي التحقيق بعد ادعاء النيابة العامة على الشركات المتّهمة"، وفقا للمادة 682 من قانون العقوبات.

وتنص هذه المادة على أنه "كل من غش العاقد، سواء في طبيعة البضاعة أو صفاتها الجوهرية أو تركيبها أو الكمية التي تحتويها من العناصر المفيدة، أو في نوعها أو مصدرها عندما يكون تعيين النوع والمصدر معتبراً بموجب الاتفاق أو العادات السبب الرئيسي للبيع، يعاقب بالحبس مع الشغل من شهر إلى سنة وبالغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين".

ويحذّر رئيس جمعية حماية المستهلك، زهير برو، من تفاقم ظاهرة تهريب الأدوية الزراعية التي تحتوي على نسب مرتفعة من المواد المسرطنة والسامة في لبنان، خاصة في ظل الانهيار الاقتصادي، ويقول "ليست هذه الظاهرة جديدة في بلدنا، لكن بالتأكيد ستزداد سوءاً مع ازدياد الفقر وانخفاض القدرة الشرائية لدى المواطنين".

ويشير برو في حديث مع موقع "الحرة" إلى مخاطر استخدام هذه الأدوية، خاصة على محاصيل مثل الفريز والحشائش سريعة النمو، والتي لا تتمكن من التخلص من المبيدات بشكل كامل".

ويؤكد على غياب الرقابة الحكومية على هذا الملف، مشيراً إلى أن "الدولة تحولت إلى شبح" في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية "كانت السلطة شبه غائبة عن هذا الموضوع قبل الانهيار، والآن لا تتابع هذا الملف بالشكل المطلوب، مما يعني ازدياد المخاطر بشكل حتمي."

رفض التعميم

يرفض رئيس "تجمع مزارعي وفلاحي البقاع"، إبراهيم ترشيشي، اتهام جميع المزارعين باستخدام أدوية زراعية مسرطنة، مشدداً على أن استخدامها يقتصر على أعداد قليلة من المزارعين في مناطق معينة، مؤكداً على ملاحقتهم وتوقيفهم ومعاقبتهم.

ويشير ترشيشي في حديث مع موقع "الحرة" إلى أن مزارعي أشجار الفاكهة حريصون على شراء مبيدات تتبع المعايير التي تضعها وزارة الصحة، والتي لا تترك ترسبات على الإنتاج، وذلك للحصول على شهادة صحية من المختبرات بسهولة، للتمكن من تصدير منتوجاتهم.

ويشرح ترشيشي أن "شحن البضائع إلى الخارج يتطلب فحصها للتأكد من خلوها من أي بقايا سموم"، معتبراً أن "غالبية المزارعين يستخدمون المبيدات المعتمدة من وزارة الزراعة منذ حوالي العشر سنوات، رغم فارق الأسعار الذي يدفعونه، حيث يعتبرون الزيادة التي يدفعونها بمثابة ربح لهم ولسمعتهم وسمعة بضاعتهم وحسن جودة الإنتاج".

ويؤكد أن لبنان "يتّبع المعايير الدولية للاتحاد الأوروبي وأميركا، وأن بعض البلدان تتبع معايير أخرى تسمح لها باستخدام المبيدات المحظورة في بلدنا والتي يتم تهريبها لنا، إلا أن ذلك لا يعني أنها مسرطنة، وهذا ليس من باب التبرير".

من جانبه يؤكد المزارع، علي الحايك، أن "كل المبيدات تحتوي على مواد خطرة بنسب مختلفة، لكن يجب على المزارع استخدام تلك التي تتطابق مع المعايير المحددة، وكمزارع، أشتري الأدوية الزراعية من شركات معروفة، وبالتالي هي التي تتحمل مسؤولية مطابقة بضائعها للمواصفات التي تحددها وزارة الزراعة".

ويشير الحايك في حديث مع موقع "الحرة" إلى أن "السلطة اللبنانية لا تكافح التهريب ولا تدعم المزارعين، مما يدفع البعض إلى اللجوء إلى شراء الأدوية الزراعية الرخيصة، غير المطابقة للمعايير أو المنتهية الصلاحية، من تركيا أو سوريا وذلك بسبب أسعارها المنخفضة، ما يُلحق الضرر ببقية المزارعين الذين يلتزمون بالمعايير"، موضحاً أن "الفرق في الأسعار بين الأدوية المهرّبة وتلك التي تتبع معايير السلامة يصل إلى 300% وأكثر".

والأخطر من المواد المسرطنة كما يقول الحايك "هو استخدام بعض المزارعين للهرمونات لكي تنمو مزروعاتهم بسرعة، ومعظم هذه المواد يتم تهريبها عبر المرفأ بطرق ملتوية من تركيا والصين وغيرهما من الدول".

"كل دول العالم تدعم المزارعين، كونهم يشكلون الأمن الغذائي للبلد، إلا في لبنان"، كما يشدد الحايك، الذي يقترح أن تقوم وزارة الزراعة ببيع الأدوية بسعر مدعوم عبر صيدليات زراعية محددة، للحؤول دون لجوء البعض إلى شراء أدوية زراعية مضرة.

جدل.. الفريز

كما أثارت نتائج فحوصات مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية للفريز في لبنان جدلاً واسعاً، ودفعت رئيس "جمعية المزارعين اللبنانيين"، أنطوان الحويك، إلى اتهام مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية بشن "حملة" على الفريز اللبناني، معتبراً أن فحص عينة واحدة من عشرات الأطنان المنتجة محلياً لا يمكن أن يشكّل دليلاً على تلوث جميع محصول الفريز في لبنان.

كما انتقد الحويك في بيان تقصير الجهات الرسمية في مساعدة المزارعين وتطوير الزراعة في لبنان، مشيراً إلى عدم قيام مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية بنشر المعالجة البيولوجية للآفات، وعدم موافقة المجلس النيابي ووزارة الزراعة على إنشاء الغرف الزراعية المستقلة والسجل الزراعي، وتقاعس وزارة الزراعة عن مراقبة الإنتاج المحلي والمستورد.

وأكد الحويك أن كثيراً من مشاريع إنتاج الفريز في لبنان تتبع مواصفات الـ Global GAP وتتمتع بشهادات توثيق من أكبر الشركات العالمية، وبالتالي فإن إنتاجها سليم 100%.

وطالب تجمع مزارعي الفريز في البقاع، من أفرام تصحيح المعلومات التي تم تداولها حول تلوث الفريز، واعتبر التجمع أن المعلومات التي تم نشرها لم تحدد اسم المنطقة التي تم فحصها أو وقت الفحص أو المعايير التي تم اتباعها، مشيراً إلى اختلاف مواسم الفريز في لبنان بين الساحل والجبل والبقاع.

وأكد التجمع أنه يتم إنتاج الفريز في البقاع دون استخدام المواد المسرطنة منذ سنوات، وأنه يصدر إنتاجه إلى الخارج والداخل، وهدد التجمع باتخاذ خطوات تصعيدية في حال لم يتم تصحيح المعلومات.

ويعلّق ترشيشي على ذلك، بالقول إن "زراعة الفريز في لبنان تمتد لعدة عقود، ما أضفى على المزارعين خبرة واسعة في هذا المجال، مكّنتهم من استقدام بذور جديدة وتطوير تقنيات زراعته على مدار السنة".

ويوضح ترشيشي أن لبنان يستورد حوالي 70% من احتياجاته من الفريز من ثلاث دول هي مصر وسوريا وإسبانيا، بينما يبقى الفريز اللبناني الأفضل جودة والأغلى ثمناً لكونه طازجاً.

ويشدد على حرص المزارع اللبناني على تناول منتجاته من الفريز هو وعائلته قبل أي شخص آخر، نافياً بشكل قاطع أي صحة لادعاءات وجود مواد مسرطنة فيه، مشيراً إلى أن مصلحة الأبحاث الزراعية عادت ووضحت الأمر بأن العينة التي تم فحصها كانت عشوائية ولا يمكن التأكد من مصدرها أو جنسية المزارع الذي أنتجها.

 ويشير ترشيشي إلى خضوع الفريز اللبناني لفحوصات دورية في أحد المراكز الثلاثة المخصصة لذلك، خاصة قبل تصديره عبر الجو، وإلى حد الآن لم يتم اكتشاف أي عينة غير جيدة أو تحتوي على سموم وترسبات.

كما يوضح أبو فاعور أن ليس كلّ الفريز مسرطن، وأنّه تواصل مع افرام الذي أبلغه أن النتيجة التي توصلت المصلحة إليها تتعلّق بعينات جرى فحصها.

ويشدّد أبو فاعور على ضرورة توعية المزارعين بمخاطر الأدوية المسرطنة وحثّهم على عدم استخدامها، ودعا إلى معاقبة الشركات المتّهمة بشكل صارم، لردع أي مخالفات مستقبلية، مؤكداً أن التلاعب بصحة الناس خط أحمر لا يمكن التسامح معه، ويجب معاقبة المتّهمين بكل صرامة.

أما برو فيشدد على ضرورة تغيير النظام السياسي كحل جذري لمواجهة أزمة الأدوية الزراعية المسرطنة والسامة وغيرها من الأزمات مؤكداً أن "أي حلول جزئية ستكون مجرد مسكنات لا تعالج المشكلة من جذورها، فالنظام السياسي الحالي لا يهتم بشؤون الناس وحقوقهم ومصالحهم، بل هدفه الأساسي السرقة والنهب وتجميع الثروات".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".