طفل يمني يتلقى لقاحاً مضاداً للكوليرا في مدينة صنعاء- أرشيف 2019
طفل يمني يتلقى لقاحاً مضاداً للكوليرا في مدينة صنعاء- أرشيف 2019

أعلنت الأمم المتحدة عن قلقها الشديد من الانتشار الكبير لوباء الكوليرا في اليمن خلال الفترة الماضية بعدما تجاوز عدد المصابين 40 ألفاً خلال الأشهر الماضية.

هذه المعدلات المخيفة من الإصابة ليست جديدة على اليمن الذي يعيش محنة كبيرة مع الكوليرا منذ سنوات طويلة، بسبب الحرب والمرض والفقر والنزوح الجماعي.

 

البداية

بدأ تفشي المرض على نطاقٍ واسع منذ أكتوبر 2016 في ظِل انقسام اليمن بسبب الصراع المحتدم بين الحوثيين المدعومين من إيران وبين القوات الحكومية المؤيَّدة من قِبَل قوات التحالف العربي بقيادة السعودية.

خلال شهرين فقط حقّق المرض انتشاراً مخيفاً في 15 محافظة من أصل 22 باليمن. ومع بداية 2017 ازدادت الأوضاع سوءاً، حيث مرّت البلاد بطقس سيء شهد هطول الأمطار بغزارة، ما أدى لنشر الماء الملوث عبر شبكات المياه ووصولها إلى أعدادٍ أكبر من اليمنيين باعتبارها واحدة من المُسببات الأساسية للإصابة بالمرض.

في منتصف العام ذاته، دقّت منظمة الصحة العالمية ناقوس الخطر عالياً بعدما زاد عدد المحافظات الموبوءة بالمرض إلى 19 وتجاوز عدد المصابين 100 ألف حالة للمرة الأولى، وتُوفي منهم 789 فرداً.

أكثر من نصف هؤلاء الضحايا كان عمرهم أقل من 18 عاماً، كما أن 26% منهم دون سنّ الخامسة، فالارتفاع المرعب في معدلات سوء التغذية بين اليمنيين جعل الأطفال أكثر ضعفاً وعُرضة للإصابة بالمرض.

بسبب التضخم الهائل في معدلات الإصابة، توقّعت منظمة "أوكسفام" العالمية بأن يصل عدد المصابين في نهاية 2017 إلى 600 ألف حالة.

للأسف مع نهاية العام لم تصدق التوقعات بل تجاوزتها، إذ أعلن الصليب الأحمر أن عدد المصابين بلغ مليون حالة تُوفي منهم 2227 شخصاً وهو معدّل ضخم للغاية إذا علمنا أن إجمالي سكان البلاد في تلك السنة بلغ 30 مليون نسمة بحسب إحصائيات البنك الدولي.

هذه الأزمة غير المسبوقة بالتاريخ الإنساني استدعت تعليقاً من رويريد فيلار المتحدث الإعلامي بِاسم منظمة "إنقاذ الطفولة" بأنه منذ "بدأت منظمة الصحة العالمية تسجيل معدلات الإصابة بالمرض في 1949 لم تشهد تفشياً أسرع مما يجري باليمن".

بهذه المعدلات المتصاعدة من الإصابات تجاوز اليمن الرقم القياسي المُسجل بِاسم هاييتي التي عاشت انتشاراً كبيراً للمرض بين عامي 2010 و2013 خلّف أكثر من 690 ألف مُصاب ووفاة أكثر من 8300 مريض، بحسب الأرقام التي أعلنتها منظمة الصحة العالمية.

بمرور السنوات ازداد الوضع سوءاً، ومع ختام 2023 بلغت الأعداد قرابة 2.5 مليون مصاب مات منهم أربعة آلاف.

 

الأسباب

هناك عشرات العوامل التي أدت لانتشار الكوليرا بهذا الشكل غير المسبوق في اليمن، أغلبها متعلّق بالحرب الدائرة حالياً على أراضيه، لكن حتى قبل اشتعال الصراع كان اليمن مهيأ لانتشار المرض.

قبل الحرب مباشرة لم يتوفر في البلد الذي يُصنّف ضمن الأكثر فقراً في العالم إلا 55% مصادر مياه شُرب صحية و53% خدمات صرف صحي لائقة، ليزداد الوضع على وقع الصراع.

بحسب البيانات الصادرة من منظمة الصحة العالمية، فإن سنوات متتالية من الحرب دمّرت البنية التحتية لقطاع الصحة في البلاد، حيث تم القضاء على نصف المستشفيات المتوافرة، ووصل عدد اليمنيين المحتاجين إلى مساعدات طبية 15 مليوناً، فيما واجه 7 ملايين خطر المجاعة، وعانَى مليونا طفل من سوء التغذية.

وبسبب حالة الفوضى التي تعيشها الدولة، عجزت الحكومات اليمنية في المناطق المتنازع عليها عن إجراء حملة شاملة لتطعيم جميع السكان باللقاحات ومتابعة حالاتهم الصحية ورقابتها بدقة لمضاعفة الجرعة حال الاحتياج لذلك.

العاملون في القطاع الصحي لم ينجوا أيضاً من هذه التداعيات المؤلمة بعدما اضطر عشرات الآلاف منهم للعمل شهوراً طويلة دون تلقي أي أجر وباستخدام الحد الأدنى من المستلزمات الطبية المتوفرة.

أيضاً مرّ اليمن بأزمة كبيرة منعته من توفير الوقود، الأمر الذي حجّم من قُدرة البلاد على ضخِّ مياه الصرف الصحي وجمع القمامة المتراكمة في الشوارع، وجَعَلَ أجزاءً واسعة منها أرضاً خصبة للأمراض المعدية بسبب انتشار الحشرات الطائرة الملوثة التي لعبت دوراً كبيراً في زيادة أعداد المصابين من مكانٍ لآخر.

بحسب ما أعلنته أوكسفام فإن موسم الأمطار الغزير الذي حلَّ على اليمن أدّى لانتشار الماء الملوث في أنحاء البلاد وهو أحد المُسببات الرئيسية للإصابة بالفيروس، ما زاد من احتمالات الإصابة بالمرض.

بجانب هذه العوامل، كشفت فرق بحثية سبباً إضافياً أكثر خطورة، ووفق الدراسة التي نشرها عدد من العلماء العام الماضي في مجلة  "Nature Microbiology" في سبتمبر 2023، لاحظ الأطباء ظاهرة مُقلق منذ 2018 وهي عدم استجابة آلاف الحالات لبروتوكولات العلاج المُتبعة للقضاء على الكوليرا.

وأثبتت الدراسة أن سلالة الكوليرا في اليمن أظهرت تطوراً أكسبها مناعة ضد المضادات الحيوية المستعملة للحدِّ من أضرار المرض، بالتالي لم يعد الاعتماد عليها يُحقق نتائج كبيرة، الأمر الذي يعني عدم توافر أي علاج لهذا النوع من الكوليرا ووفاة جميع المصابين به.

رغم أضرارها الضخمة فإن هذه الأزمة الكبرى لم تسترعِ انتباه العالم بما يكفي للتدخل القوي والعمل على حلها، حتى أن أغلب المانحين الدوليين تقاعسوا عن تمويل الخطة الأممية الموضوعة لتحسين أوضاع اليمنيين في 2024 ولم يُغطَّ إلا 15% فقط من حجم التمويل المطلوب لها.

وحتى في حال وفاء الدول المانحة بهذه الالتزامات المالية، فإن ذلك لا يضمن انتهاء الأزمة خصوصا مع استمرار الحرب، وهو ما عبّر عنه مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم في خطاب أمام مجلس الأمن، قال فيه إن "الدول المانحة يتعيّن عليها الوفاء بوعودها، ومنظمة الصحة العالمية تبذل أقصى ما بوسعها لإنقاذ الأرواح، لكن من دون السلام لن تكون هناك نهاية لمعاناة الناس".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

عناصر من تنظيم القاعدة بأفغانستان في عام 2011- صورة أرشيفية.
عناصر من تنظيم القاعدة بأفغانستان في عام 2011- صورة أرشيفية.

الحرة- وائل الغول- برعاية حركة طالبان يواصل تنظيم القاعدة "التوسع" داخل أفغانستان، ما دفع مختصين تحدث معهم موقع "الحرة" لدق ناقوس الخطر بشأن عودة التنظيم المصنف على قوائم الإرهاب في الولايات المتحدة ودول أخرى للواجهة مرة أخرى، كما تحدثوا عن إمكانية "وقوع هجمات إرهابية" في عدة دول على مستوى العالم.

وفي عام 2024، أنشأ تنظيم القاعدة 9 معسكرات تدريب جديدة في أفغانستان، وفقا لما نقلته مجلة "فورين بولسي"، عن المتحدث باسم جبهة المقاومة الأفغانية، علي ميسم نزاري، الذي يزور واشنطن هذا الأسبوع.

وقال نزاري الذي يمثل جبهة المقاومة الوطنية الأفغانية المتمركزة في وادي بنجشير بشمال كابل، إن "القاعدة" أنشأت مراكز تجنيد وتدريب وقامت ببناء قواعد ومستودعات ذخيرة في قلب وادي بنجشير، بسماح من حركة طالبان.

علاقة "وطيدة" بين طالبان والقاعدة

في 15 أغسطس 2021، سيطر مقاتلو طالبان على العاصمة الأفغانية كابل بعد انهيار الحكومة المدعومة من واشنطن وفرار قادتها إلى المنفى، وذلك بعد خوض الحركة تمردا مسلحا استمر 20 عاما.

ويشير الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، منير أديب، إلى أن حركة طالبان لم تتخلى عن "تنظيم القاعدة" يوما واحدا وكانت ومازالت "داعم أساسي" للتنظيم منذ أكثر من 20 عاما.

ومنذ عودتها للسلطة مرة أخرى، "تسهل طالبان توسع تنظيم القاعدة بالأراضي الأفغانية، وتوفر "غطاء" للتنظيم، وتدافع عنه داخل أفغانستان، وبذلك استطاعت القاعدة تدشين معسكرات جديدة داخل البلاد، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويتحدث عن "علاقة حميمية" بين طالبان والقاعدة، و"تنامي" لوجود التنظيم على الأراضي الأفغانية، في ظل "حالة من التسامح وتسهيل تحرك عناصر وقادة التنظيم".

وتعتقد "الأمم المتحدة" أن تنظيم القاعدة لديه معسكرات تدريب في 10 مقاطعات على الأقل من مقاطعات أفغانستان البالغ عددها 34 مقاطعة، رغم نفي طالبان العلني وجود التنظيم في البلاد.

ما علاقة "إيران وحرب غزة"؟

اندلعت الحرب بين إسرائيل وحماس المصنفة إرهابية في أميركا ودول أخرى، إثر هجوم الحركة "غير المسبوق" على مناطق ومواقع محاذية لقطاع غزة في السابع من أكتوبر، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون، وبينهم نساء وأطفال، وفق السلطات الإسرائيلية.

وردا على الهجوم، تعهدت إسرائيل "القضاء على حماس"، وتنفذ منذ ذلك الحين حملة قصف على قطاع غزة أتبعت بعمليات برية منذ 27 أكتوبر، أسفرت عن مقتل ما يزيد عن 40 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، وفق ما أعلنته وزارة الصحة في القطاع.

ويرصد الباحث في شؤون الإرهاب بمنتدى الشرق الأوسط في لندن، أحمد عطا، "توسع" تنظيم القاعدة في أفغانستان بعد الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة.

ووجهت قيادات القاعدة دعوة لعناصر التنظيم في ارتكازات جغرافية مختلفة من أجل "الانتقال إلى أفغانستان"، وكانت عملية الانتقال بدعم من إيران بهدف صناعة "قوة عسكرية راديكالية" على الأراضي الأفغانية، وفق حديثه لموقع "الحرة".

ويؤكد عطا أنه رغم "اختلاف الأيدولوجية بين إيران الشيعية وتنظيم القاعدة السني لكن هناك وطيدة بينهما".

ويكشف عن انتقال أكثر من 2500 عنصر من تنظيم القاعدة إلى أفغانستان "على 3 مراحل"، بتنسيق "سري" من الحرس الثوري الإيراني.

وتم نقل عناصر من القاعدة من سوريا والعراق ومن دول أفريقية ومن شرق آسيا إلى أفغانستان، وفق الباحث في شؤون الإرهاب بمنتدى الشرق الأوسط في لندن.

ويرى عطا أن الهدف من دعم طهران لعناصر القاعدة هو "صناعة جيش موازي"، على الأراضي الأفغانية بالقرب من الحدود الإيرانية في حالة تعرض إيران لهجمات عسكرية من إسرائيل أو من الغرب.

تحذير من "عمليات إرهابية مرتقبة"

دعا زعيم تنظيم القاعدة، سيف العدل، صراحة المقاتلين الأجانب إلى الهجرة إلى أفغانستان والاستعداد لمهاجمة الغرب، وفق ما نشره موقع "longwarjournal".

وسيف العدل، ضابط سابق في القوات الخاصة المصرية وشخصية بارزة في الحرس القديم للقاعدة، وكان يقيم في إيران منذ 2002 أو 2003، حسبما أشار تقرير للأمم المتحدة، وأكدته "الخارجية الأميركية".

وفي عام 2023، قال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، إن "تقييمنا يتوافق مع تقييم الأمم المتحدة، أن الزعيم الفعلي الجديد للقاعدة، سيف العدل، موجود في إيران".

ووقتها نفت طهران على لسان وزير خارجيتها الراحل، حسين أمير عبد اللهيان، وجود "أي ارتباط مع تنظيم القاعدة أو وجود سيف العدل على أراضيها".

وقال في منشور عبر حسابه بمنصة أكس: "أنصح مسؤولي البيت الأبيض بوقف لعبة رهاب إيران الفاشلة.. نشر أخبار عن زعيم القاعدة وربطه بإيران أمر مضحك".

وساعد سيف العدل في بناء القدرة العملانية للتنظيم ودرب بعض الخاطفين الذين شاركوا في هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، وفق المنظمة الأميركية "مشروع مكافحة التطرف".

ويتوقع عطا أن يكون هناك "تدوير لعمليات إرهابية تستهدف مصالح الغرب وإسرائيل في منطقة الخليج، بالإضافة لاستهداف السفن في الممرات المائية الحيوية بعدما تم تدريب عناصر القاعدة لأول مرة في أفغانستان على زراعة ألغام بحرية".

وقد يشهد الشتاء المقبل أعنف موجة من العمليات الإرهابية التي سيقوم بها تنظيم القاعدة في عدة دول، وفق توقعات الباحث في شؤون الإرهاب بمنتدى الشرق الأوسط في لندن.

وفي سياق متصل، يؤكد أديب أن أفغانستان عادت لما كانت عليه قبل عام 1997، وستكون أراضيها منطلقا لتنفيذ عمليات إرهابية لـ"تنظيم القاعدة" في جميع دول العالم وليس في آسيا فقط.

وتنظيم القاعدة سيعود لتصدر المشهد من جديد وقد ينفذ عمليات إرهابية جديدة، في ظل "توسعه" بالفترة الأخيرة، وفق توقعات الباحث في شؤون الحركات المتطرفة.