خامنئي
المرشد الأعلى في إيران علي خامني.

فتحت وفاة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي وجميع مرافقيه، إثر تحطم مروحيتهم شمال غربي البلاد، الأحد، الباب أمام تساؤلات حول بنية الحكم في إيران، التي يمكن وصفها بالمعقدة والمبهمة.

وكان على متن المروحية بجانب رئيسي، وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان، ومحافظ أذربيجان الشرقية مالك رحمتي، وإمام جمعة محافظة تبريز، محمد علي آل هاشم، بجانب 5 أشخاص آخرين من طاقم المروحية والوفد الرئاسي.

ووصفت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، نظام الحكم في إيران بأنه "معقد ومتعدد الطبقات ومبهم، ويشكل تحديا يصعب فهمه أمام المطلعين من الداخل والخارج".

وسلط تقرير الصحيفة الضوء على طريقة اتخاذ القرار في إيران، التي يقطنها نحو 90 مليون نسمة، وتلعب دورا كبيرا في منطقة الشرق الأوسط.

 

خامنئي والقرارات النهائية

يمتلك المرشد الأعلى، علي خامنئي، بشكل لا لبس فيه سلطة صناعة القرارات العليا لجميع السياسات الداخلية والخارجية في البلاد، ويعارض بشدة ما يصفه بـ"الغرب المستبد، لا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل"، وفق "فاينانشال تايمز".

ودعم خامنئي (85 عاما) سياسات بلاده الخارجية والعسكرية، بجانب البرنامج النووي المثير للجدل، الذي أكد في عدة مناسبات أنه "لأغراض سلمية بحتة"، مستشهدا على ذلك بنصوص دينية.

ورغم ذلك، فإن مستشار المرشد الإيراني، كمال خرازي، كان قد صرح في التاسع من مايو الجاري، أن بلاده "قد تجد نفسها مضطرة" لتغيير عقيدتها النووية، "إذا أصبح وجودها مهددا".

وقال خرازي، حسب وكالة أنباء الطلبة الإيرانية، إن طهران "ستضطر لتغيير عقيدتها النووية إذا أصبح وجودها مهددا من إسرائيل".

ولم تكن تلك المرة الأولى التي يتحدث فيها مسؤول إيراني عن تغيير العقيدة النووية، حيث نقلت وكالة "تسنيم" شبه الرسمية للأنباء، أبريل الماضي، عن قائد كبير بالحرس الثوري الإيراني قوله، إن طهران "قد تراجع عقيدتها النووية" في ظل التهديدات الإسرائيلية.

لكن سرعان ما خرج المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، ناصر كنعاني، وقال إن الأسلحة النووية "لا مكان لها في العقيدة النووية الإيرانية".

ووصف تقرير "فاينانشال تايمز" المرشد الإيراني بالبرغماتية، حيث استجاب "لتوجيهات سلفه الخميني بأن بقاء النظام أكثر أهمية من المبادئ الإسلامية الأساسية".

 

الحرس الثوري.. حكومة الظل القوية

يسيطر خامنئي على الحرس الثوري الإيراني، وساعد في تحويله إلى المؤسسة الأكثر "بأسا" في إيران. وحسب "فاينانشال تايمز"، فإن قادة الحرس الثوري "مخلصون له ولأيديولوجيته". أما فيما يتعلق بالشؤون غير العسكرية، فإنه "يستمع لنصائح هؤلاء القادة".

ويلعب الحرس الثوري الدور الأساسي بالنسبة لخامنئي في فرض سلطته في إيران والشرق الأوسط، حيث يمتد تأثيره عبر السياسة الخارجية والاقتصاد والشؤون القانونية والثقافية والاجتماعية والسياسة الداخلية، بما في ذلك مراقبة المعارضة السياسية وقمعها بلا رحمة، وفق التقرير الذي وصف الحرس الثوري بأنه "حكومة ظل قوية".

ومع صعوبة الحصول على التكنولوجيا العسكرية المتطورة بسبب العقوبات الغربية، ألزم خامنئي الحرس الثوري باستراتيجية تتمثل في تأمين طرق مختلفة لمحاربة الخصوم الأكثر تقدما من حيث القوة التقليدية العسكرية، حيث دعمت إيران وكلاءها في لبنان وسوريا والعراق واليمن، والفصائل الفلسطينية المسلحة، وطوّرت صواريخ باليستية طويلة المدى وطائرات بدون طيار وزوارق سريعة.

وأشار التقرير إلى أن خامنئي "اتخذ موقفا تصادميا طوال فترة ولايته التي امتدت لحوالي 35 عاما، خلال مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، لكن مع الحرص على عدم تطور تلك المواجهة إلى حرب مفتوحة".

وذكرت الصحيفة أنه حينما أطلقت إيران الصواريخ والمسيّرات على إسرائيل في 13 أبريل الماضي، استدعى الحرس الثوري وليس وزارة الخارجية، السفير السويسري لنقل رسالة إلى الولايات المتحدة، مفادها أن إيران ستحجم عن تصعيد الأعمال العدائية.

 

رجال الدين

أوضح التقرير أن رجال الدين في إيران "يوفرون الشرعية الدينية لحكام البلاد، ومن بينهم المرشد الأعلى"، مضيفًا أنه "على مستوى القرارات اليومية ليس لهم تأثير يذكر".

ويتولى مجلس خبراء القيادة الذي يضم 88 رجل دين، مسؤولية تعيين المرشد التالي بعد وفاة خامنئي. ومن المفترض أن تراقب تصرفاته، رغم أنها لم تمارس أي سلطة رقابية فعلية على الإطلاق، وفق فاينانشال تايمز.

ويتركز معظم رجال الدين في مدينتي قم ومشهد المقدستين، وتتركز أولويتهم على الدراسات الدينية والقضايا الثقافية والاجتماعية، مثل دور المرأة وفرض الحجاب والقيود على الموسيقى والمشروبات الكحولية.

 

الإصلاحيون والوسطيون

حاول الليبراليون والوسطيون منذ عام 1997 إقناع خامنئي بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية في البلاد، لكن مبادرات الرئيس الأسبق محمد خاتمي واجهت مقاومة شديد من المتشددين، الذين وصفوها بأنها "مخططات لتقويض الجمهورية الإسلامية وجرها نحو الغرب"، وفق الصحيفة البريطانية.

وحينما وصل الرئيس "الوسطي" حسن روحاني إلى الرئاسة لفترتين، ساعد ذلك في التوصل إلى الاتفاق النووي عام 2015 مع القوى العالمية الكبرى، مما خفف من العقوبات المفروضة على طهران.

لكن مع قرار الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، الانسحاب من الاتفاق النووي، عزز المتشددون مجددا سيطرتهم على جميع أركان الدولة، وفق فاينانشال تايمز، التي أوضحت أن الإصلاحيين "يرغبون في الحد من التوترات مع الولايات المتحدة وفي الشرق الأوسط بشكل عام، لإعطاء أولوية للتنمية الاقتصادية وجذب الاستثمار الأجنبي".

لكن يواجه تلك التحركات متشددون يعتبرون أنها "ستسمح بتغيير النظام في طهران"، ويفضلون إقامة شراكات مع الصين وروسيا، معتبرين أن العقوبات "تساهم في تعزيز اعتماد البلاد على نفسها".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

 خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.
خاض العراق تجربتين فاشلتين لتأسيس شرطة الأخلاق: الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث.

يشهد العراق، منذ سنتين، حملة على ما تسميه الحكومة العراقية "المحتوى الهابط"، كما أقرّ مجلس النواب تعديلات على قانون يحمل اسم "قانون مكافحة البغاء والشذوذ الجنسي". وهي التعديلات التي رأت فيها منظمات حقوقية عالمية "تهديداً لحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي يحميها الدستور". 

أعادت هذه الخطوات إلى الأذهان ذكرى تجربتين عراقيتين سابقتين لتأسيس ما يسمى "شرطة الأخلاق". الأولى في العهد الملكي والثانية خلال حكم حزب البعث. فماذا نعرف عن هاتين التجربتين؟

 

شرطة الأخلاق.. التجربة الأولى

في عام 1935، خلال حكومة رشيد عالي الكيلاني، أظهر رئيس الحكومة اهتماماً كبيراً بفرض "الأخلاق العامة" في شوارع العراق، وأصدر قراراً بتشكيل ما عُرف حينها بـ"شرطة الأخلاق".

من ضمن الواجبات الرئيسية لهذه الشرطة "مراقبة دور الدعارة والقضاء على البغاء بكل أشكاله"، حسب ما ورد في كتاب "حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق" لنسرين عويشات.

يحكي أمين المميز، في كتابه "بغداد كما عرفتها"، أن الهدف من تأسيس هذه الشرطة لم يتحقق بعدما "أساء أفراد هذا الجهاز الأمني سُلطاتهم وراحوا يبتزون أصحاب دور الدعارة والزبائن الذين يترددون عليها".

فشلت الحكومة في السيطرة على سلوكيات أفراد الشرطة وبات أصحاب "دور الدعارة" يدفعون لعناصرها أكثر مما يتقاضونه من الزبائن، ولما ارتفعت الشكاوى منها صدر القرار بإلغائها.

هذه التجربة تطرّق إليها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" حين تحدّث عن تجربة جرت "في عهد بائد بالعراق" لأحد الوزراء بأن يُصلح أخلاق الناس فأسّس شرطة للأخلاق.

يعلّق الوردي على أسباب فشل هذه التجربة بأن صاحب هذا القرار نسي أن أفراد هذه الشرطة نشأوا أيضاً في هذا المجتمع الذي يعتريه الفساد ويجب إصلاحه. لذا فإنهم يحتاجون إلى الإصلاح كغيرهم وهو ما تسبّب في إساءة استعمال الطريقة التي طُلب منهم استخدامها لـ"إصلاح الأخلاق"، وهو ما أدى إلى زيادة المشكلات وليس حلها بحسب الوردي الذي يقول: "بات الناس يشكون من فساد الأخلاق ومن شرطة الأخلاق في آنٍ واحد".

اعتمد متصفحو مواقع التواصل الاجتماعي فيديوهات قديمة أو أخبارا كاذبة للترويج لوجهة نظرهم ولتشويه الجانب الآخر.
الحملة العراقية ضد "المحتوى الهابط": إشكاليات ومحاذير مستقبلية
في فبراير 2023، بدأت وزارة الداخلية العراقية حملتها ضد ما أطلقت عليه اسم "المحتوى الهابط" وأصدرت أوامر إلقاء قبض بحق عدد من مشاهير مواقع التواصل، الأمر الذي أثار حفيظة المختصين بالقانون وحقوق الإنسان لعدم وجود مواد قانونية تحكم القضايا، ولإمكانية استغلال المنصة من أجل تصفية حسابات شخصية.

 

حزب البعث: مكافحة "المتبرّجات"!

بعد نجاح البعث قي الوصول إلى الحُكم عقب ثورة 1968، عيّن رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر صالح مهدي عمّاش وزيراً للداخلية.

يقول علي سعي،  في كتابه "عراق ضباط 1963 من حوار المفاهيم إلى حوار الدم"، إن عماش عُرف عنه النهج المحافظ والتشدد الديني حتى إنه لما تولّى إدارة وزارة الخارجية بشكلٍ مؤقت بسبب سفر وزيرها خارج البلاد أمر بإلغاء عمل جميع النساء في وزارته ونقلهن إلى وزارات أخرى!

بدعمٍ من محافظ بغداد حينها، خير الله طلفاح، خال صدام حسين ووالد زوجته ساجدة، أعاد عماش العمل بفكرة شرطة الأخلاق مع نهاية 1968، والتي كان همّها الأول هذه المرة هو مكافحة الأزياء المخالفة بين الشباب، وبطبيعة الحال وقع على النساء العبء الأكبر من هذه المكافحة باعتبار أن التصدّي لـ"المتبرجات" كان من أكبر أنشطة الجهاز الأمني الجديد.

تزامناً مع هذا القرار، نقلت الصحافة العراقية تحذيرات بأن الشرطة ستتخذ إجراءات لمحاربة "التحلل الخلقي"، مشددة على منع ارتداء "الميني جوب" عموماً باستثناء السائحات، وأن حدود اللبس النسائي المحتشم المسموح به يجب أن لا يقلّ عن عقدة واحدة أسفل الركبة. كما صدرت التعليمات بـ"إلقاء القبض على المتميعين من الشبان وقص شعورهم الطويلة"، بحسب الصحف.

الحملة الإيمانية.. كيف قاد صدام العراق إلى التطرف؟
اشتملت حملة صدام الإيمانية الجديدة في العراق على مزيجٍ معقد من دروس التربية الدينية، واشتراطات تحديد أشكال السلوك والملابس، ووضع قائمة عقوبات شديدة القسوة. وشملت الحملة حتى أسلحة الدولة الفتّاكة بعدما جرت تسمية صواريخ الدولة بمسميات دينية مثل "صاروخ الحسين" و"صاروخ العباس".

يحكي نجم والي في كتابه "بغداد- سيرة مدينة"، أن هذه القوة الأمنية كانت تطارد الطالبات والموظفات وغيرهن من النساء السافرات في بغداد وتعتدي عليهن بالضرب وتلطّخ ثيابهن بالأصباغ بحجة الدفاع عن القيم والعادات الأصيلة.

وفي كتابه "المخفي أعظم"، كشف الأديب الأردني هاشم غرايبة أنه إبان سفره إلى العراق في مطلع السبعينيات لاستكمال دراسته الجامعية في المختبرات الطبية، كان يمشي في أحد الأيام بأحد شوارع بغداد وهو يرتدي بنطلون "شارلستون" الذي كان موضة رائجة أيامها فهاجمه رجال شرطة الآداب ومزقوا  بنطاله.

هذه التصرفات أثارت ضيق الشاعر محمد مهدي الجواهري، فكتب قصيدة ينتقد فيها ما يجري قائلاً: "أترى العفاف مقاس أقمشة؟.. ظلمت إذاً عفافاً"، فردَّ عليه مهدي عماش، وزير الداخلية نفسه، بقصيدة أخرى طويلة جاء فيها: "شبابنا يتخنثون خنافساً.. هوجاً عجافاً\ إنا نريد مآثراً لا قصر أردية كفافاً\ نبغي من النسوان تربية البراعم والعفافا"، ودارت بين الاثنين مساجلة شعرية نشرتها الصحافة العراقية وقتها.

علي الوردي أيضاً كان له موقف مُعارض من إعادة إحياء هذه الفكرة مجدداً، وخلال محاضرة له في منتدى أمانة بغداد وجّه فيها انتقادات حادة لهذا الأمر، فقال: "نحن لسنا فئران تجارب لتدخلونا كل يوم في تجربة جديدة، فما معنى أن تستحدثوا مثلاً (شرطة أخلاق)، بالله عليكم هل لدى الشرطة أخلاق أصلاً؟!".

في النهاية وبعد تجاوزات كثيرة من قِبَل رجال الشرطة صدر الأمر بحل هذه القوة الأمنية لتلقى تلك التجربة مصير التجربة السابقة: الفشل.