A drone view shows city of Baghdad
صورة جوية للعاصمة العراقية بغداد، تُظهر حجم الكثافة العمرانية فيها- تعبيرية

يُعتبر تعداد السكان والمساكن من بين أكثر العمليات ضخامة وتعقيداً التي يمكن لأي دولة القيام بها. وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان، فإن التعداد السكاني يحتاج إلى أن تكون البلدان التي تقوم به في حالة سلم، إذ يتطلب التخطيط الدقيق وتوفير الموارد المالية والبشرية اللازمة.

كما يتضمن رسم خرائط البلد بأكمله، وتعبئة وتدريب أعداد كبيرة من المتخصصين، ويتطلب مراقبة البيانات وتحليلها.

ومن توصيات الأمم المتحدة، ضرورة إجراء التعداد السكاني على الأقلّ مرة واحدة كل عشر سنوات، وهو أمر "بالغ الأهمية" للحكم الرشيد وصياغة السياسات وتخطيط التنمية وتفادي وقوع الأزمات.

وفي بعض الحالات، يدخل إجراء التعداد السكاني كواجب على الحكومات وكجزء من الدستور، كما هي الحال مع الولايات المتحدة الأميركية التي تجري تعداداً سكانياً كل عشر سنوات والتعداد الأخير كان في عام 2020. 

 

التجارب في الدول العربية

بسبب الحروب غالباً وعدم الاستقرار الأمني والسياسي، لم تقم العديد من الدول العربية بإجراء تعدادات سكانية بشكل ممنهج ودوري. لبنان مثلاً لم يشهد تعداداً سكانياً رسمياً منذ عام 1932، وذلك لأسباب سياسية وطائفية.

يرى الباحث في مركز "الدولية للمعلومات" صادق علوية أن "القوى السياسية في لبنان تتهرب من التعداد السكاني ومن أي تنظيم لأي مسألة تتعلق بتنظيم الخدمات للناس، ويفضلون أن تبقى جموع اللبنانيين عبارة عن مجموعات متفرقة تابعة للتنظيمات السياسية التي تحصيهم بدقة متناهية، في حين لا يسمحون للدولة وأجهزتها المركزية واللامركزية بتنظيم هذا الأمر".

العراق بدوره لم يشهد تعداداً سكانياً رسمياً منذ عام 1997، ولا تزال عوامل كثيرة بينها طائفية وسياسية ومالية وأخيراً صحية (جائحة كورونا) تؤجل هذا الاستحقاق المؤجل منذ أكثر من ربع قرن.

يقول الباحث محسن حسن، في دراسة "معوقات التعداد السكاني وآثارها السلبية على مستقبل التنمية في العراق"، إن الامتناع عن تنفيذ التعداد السكاني يعني دخول المؤشرات الإحصائية في العراق حيّز التخمين، وهو ما ترتّب عليه "فشل معظم خطط التنمية الوطنية كونها مرتكزة على بيانات تقديرية غير موثوقة".

التعداد السكاني يوفر أرضية مهمة جداً ومعلومات قيمة لمختلف الجوانب المرتبطة بالسكان ان كانت إدارية أو سياسية او حكومية، كما يشرح الخبير الاقتصادي صلاح العبيدي لـ"ارفع صوتك"، فضلا عن المعلومات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية في لحظة محددة من الزمن.

وبحسب العبيدي "لم يعد الاهتمام بالتعدادات السكانية في أيامنا هذه  مقتصراً على الحكومات بل تعداها إلى الأفراد والمؤسسات والشركات، لأنه يمكن اعتمادها في مختلف القرارات الاستثمارية بشكل عام، وهي توفر آلية مهمة جداً للحكومات في كيفية توزيع الأموال بشكل أفضل على القطاعات المختلفة، من التعليم إلى الصحة والأسواق التجارية وغيرها".

ويبيّن: "نحصل على معلومات أساسية تتعلق بمعدلات البطالة ومعدلات الأمية بين السكان، وأيضاً المتغيرات الديموغرافية وتحديد مدى تأثير السياسات على هذه البقعة الديموغرافية أو تلك، كما تساعد على التوزيع العادل للأموال".

يضرب العبيدي العراق كمثال، حيث توزع الميزانية على المحافظات بالاعتماد على النسب السكانية، وإذا لم يكن هناك تعداد دقيق، كما هو الحال في البلاد منذ عام 1997، فإن هذا "يؤدي إلى مشكلة كبيرة في التوزيع العادل والأمثل تؤثر طبعاً على التمثيل الانتخابي".

سوريا أيضا ومنذ اندلاع الحرب الأهلية سنة 2011، لم تجر التعداد السكاني الذي كان يفترض حدوثه عام 2014، ليمضي على آخر تعداد قامت به عشرون عاماً.

وسبق أن صرّح مدير "المكتب المركزي للإحصاء" عدنان حميدان، بأن "المكتب سيقوم في عام 2024 بتعداد عام للساكن والمساكن، وفي حال وجود ظروف لا تسمح بذلك سيلجأ إلى عملية تقدير لعدد السكان، أسوة بكل الدول التي عاشت ويلات الحروب والمشكلات الداخلية والعقوبات الاقتصادية والحصار" وفق تعبيره.

واليمن على غرار سوريا، لم يجر منذ عام 2004 أي تعداد سكاني رسمي، ومردّ ذلك إلى الصراعات والأوضاع الأمنية والسياسية المعقدة في البلاد، التي تعرقل جهود التخطيط السكاني والاقتصادي، وتحول دون معرفة الأعداد الدقيقة للسكان في اليمن.

أما مصر التي تعتبر من أكبر الدول العربية في تعداد السكان، فقد أجرت آخر تعداد سكاني عام 2017 بواسطة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وأظهرت النتائج أن عدد سكان مصر وصل إلى 94,8 مليون نسمة داخل البلاد، بالإضافة إلى 9.4 مليون نسمة يعيشون في الخارج، ليبلغ إجمالي عدد المصريين آنذاك، حوالي 104.2 مليون نسمة.

ومن المفترض أن تجري مصر تعداداً سكانياً جديداً عام 2027، وقد بدأت بالفعل البحث في تأمين التمويل لإجراء هذا التعداد المهم جداً بالنسبة إلى الدولة التي يعيش فيها اليوم بحسب التقديرات غير الرسمية أكثر من 114 مليون نسمة، وتعاني من أزمات اقتصادية.

وتلتزم العديد من الدول العربية في إجراء تعدادات سكانية بشكل دوري، كما هي الحال مع المغرب الذي يجري تعداداً سكانياً كل عشر سنوات، وتونس التي تستعد لإجراء تعداد سكاني في العام الحالي بعد عشر سنوات على التعداد الأخير الذي أجري في 2014، والسعودية التي أجرت منذ 1974 خمس تعدادات سكانية، آخرها كان في  2022.

يُلاحظ أن الدول التي تتمتع باستقرار سياسي وأمني واقتصادي أقدر حالاً على تنظيم التعدادات السكانية من الدول التي تشهد اضطرابات أمنية وسياسية أو أزمات اقتصادية. فليبيا مثلاً، منذ دخولها في حرب أهلية بعد 2011، توقفت عن إجراء تعدادات سكانية، وكان آخر تعداد سكاني رسمي أجرته عام 2006 وبلغ عدد سكانها حينذاك خمسة ملايين و700 ألف نسمة.

الصومال في خضم إتمام التعداد السكاني الأول منذ ما يقارب نصف قرن، حيث جرى آخر تعداد سكاني رسمي في البلاد في عام 1975، ويتم منذ ذلك الحين الاعتماد على الإحصاءات التقديرية التي تجريها مراكز الأبحاث الأممية والشركات الخاصة، وتقدّر أعداد السكان اليوم بـ16 مليون نسمة، فيما كانت تقارب 4.2 مليون نسمة عام 1975.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.