صورة حديثة من أحد شواطئ لبنان - فرانس برس، تعبيرية
صورة حديثة من أحد شواطئ لبنان - فرانس برس، تعبيرية

تخطت شظايا الاشتباكات الدائرة بين حزب الله وإسرائيل، المناطق الحدودية، لتصيب بتأثيراتها كل الأراضي والقطاعات الحيوية اللبنانية، خاصة قطاع السياحة الذي تعرّض لضربة في الصميم، لاسيما في ظل التهديدات المتبادلة بين الطرفين بالتصعيد والتلويح بالحرب الشاملة.

ويخشى القيّمون على قطاع السياحة في لبنان أن يحرق طوفان النيران الذي وصل بلدهم، موسم الصيف المقبل، وتداعيات ذلك على العديد من القطاعات الأخرى التي تعتمد بشكل كبير على السياحة، الدعامة الأساسية للاقتصاد اللبناني.

ويترقب المعنيون حركة حجوزات السفر وأعداد الوافدين في الأيام المقبلة، خاصة المغتربين اللبنانيين، الذين اعتادوا زيارة أهلهم في كل موسم وعيد، بغض النظر عن الأوضاع الأمنية.

ورغم التهديدات الأمنية، تشهد حركة مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت هذه الأيام نشاطاً ملحوظاً، حيث بدأ عدد الركاب اليومي إلى لبنان يفوق العشرين ألفاً، من بينهم أكثر من 12 ألف وافد.

ومع ذلك تراجع عدد الوافدين إلى لبنان بنسبة 5,24 بالمئة وسجل 267 ألفاً و480 راكباً خلال شهر مايو الماضي، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، كذلك تراجع عدد ركاب العبور الترانزيت بنسبة 71,64 بالمئة وبلغ 210 ركاب.

أما مجموع الرحلات الجوية لشركات الطيران الوطنية والعربية والأجنبية التي استخدمت المطار خلال شهر مايو الفائت فبلغت 4294 رحلة (بتراجع 5,6 بالمئة عن مايو 2023)، منها 2151 رحلة وصول إلى لبنان (بتراجع 5,45 بالمئة) و2143 رحلة إقلاع من لبنان (بتراجع 5,76 بالمئة).

مخاوف أمنية

دفعت التهديدات الإسرائيلية للبنان بالتصعيد، بعض الراغبين في زيارة هذا البلد إلى تأجيل خططهم، بحسب ما يقوله رئيس اتحاد النقابات السياحية، رئيس نقابة أصحاب الفنادق في لبنان، بيار الأشقر.

وأضاف الأشقر، في حديث لموقع الحرة "طلبت الدول الغربية من رعاياها منذ السابع من أكتوبر، تاريخ بدء الحرب في غزة، عدم القدوم إلى لبنان، وإن قرروا ذلك فعلى مسؤوليتهم. إضافة إلى ذلك، لا تزال الدول الخليجية تمنع رعاياها من السفر إلى لبنان. هذه الأوضاع تؤثر سلباً على السياحة في هذا البلد، حيث تراجعت مقارنة مع العام الماضي الذي شهد نمواً في عدد الأجانب القادمين."

وأشار إلى أن "نسب الحجوزات الفندقية انخفضت بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات الماضية"، ويشرح "على الرغم من عدم وجود إحصاءات دقيقة، إلا أنه يمكننا ملاحظة هذا التراجع بوضوحٍ من خلال مقارنة نسب التشغيل في فنادق بيروت خلال فصل الشتاء الماضي، حيث تراوحت بين 5% و20% فقط، بينما كانت تُسجّل في العادة نسباً تتراوح بين 30% و50%".

"في لمح البصر، انتُزِعت الحقيبة عن كتف شقيقتي من قبل مجرم يركب دراجة نارية برفقة شخص يقود بسرعة البرق، قبل أن يختفيا بسرعة في الأزقة الضيقة، تاركينا في حالة من الصدمة"... بحسب ما تقوله الصحفية إيمان أبو نكد.

ويكشف رئيس اتحاد النقابات السياحية أن "العديد من الفنادق خارج بيروت أغلقت أبوابها دون إعلان رسمي، بسبب تكاليف إعادة الفتح، كما أن بعض فنادق بيروت أغلقت جزئياً وفتحت الآن من أجل موسم الصيف."

السياح الذين يقصدون لبنان الآن هم بحسب الأشقر "من العراقيين والأردنيين والمصريين، لكن أعداد المصريين تراجعت بشكل ملحوظ بسبب الكابيتال كونترول في بلدهم وعدم تمكّنهم من إخراج المبالغ التي يريدونها."

التوقعات لعام 2024 كانت تشير إلى موسم واعد، وفقاً لما يقوله نائب رئيس نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسيري في لبنان، خالد نزهة، إلا أن "الأوضاع الراهنة والخوف من توسع رقعة الحرب، أديا إلى تحفظ عدد من المغتربين اللبنانيين الذين نعوّل عليهم لموسم سياحي ناجح، عن القدوم إلى لبنان، لاسيما مع عدم وجود مطار بديل لمطار بيروت في حال تم إغلاقه".

ويؤكد نزهة في حديث لموقع "الحرة" أن هذا القطاع شهد نموّاً ملحوظاً في عام 2023 مع افتتاح 300 مطعم جديد، فيما تم افتتاح 50 مطعماً آخر حتى الآن في عام 2024.

ويشير إلى دخول خمس علامات تجارية عالمية جديدة من مطاعم ومقاهي إلى السوق اللبنانية مؤخراً، ما يؤكد أن الثقة الكبيرة بالبلد مستمرة، بالإضافة إلى ازدهار قطاع تصدير العلامات التجارية اللبنانية إلى الدول العربية والعالم،.

ويلفت إلى تميز لبنان في مجال الطعام والخدمات والاستقبال والنظافة والضيافة، كما أن السياحة في هذا البلد تتميز بتنوعها، لكن النهوض بها يتطلب تحقيق الاستقرار على مختلف المستويات الأمنية والنقدية والمالية والاجتماعية".

وقبل أيام أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو أن بلاده "جاهزة لشن عملية مكثفة للغاية" على الحدود مع لبنان، من أجل "إعادة الأمن" إلى شمال إسرائيل، مما أجبر عشرات الآلاف من السكان على مغادرة منازلهم جراء قصف حزب الله.

أسباب مخفية

يحذّر الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، من تراجع خطير في قطاع السياحة في لبنان، مشيراً إلى "انخفاض ملحوظ في أعداد القادمين إلى البلاد في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، التي كانت متراجعة بدورها عما كانت عليه قبل الانهيار الاقتصادي عام 2019."

ويوضح أبو شقرا في حديث مع موقع "الحرة" أن هذا التراجع، الذي بلغت نسبته حوالي 6% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لا يقتصر فقط على انخفاض العدد الإجمالي، بل يشمل أيضاً تغيراً في نوعية السياح.

وفي حين كان لبنان يستقطب في السابق، بحسب أبو شقرا "سياحاً من مختلف أنحاء العالم، باتت الحركة السياحية اليوم مقتصرة بشكل أساسي على المغتربين اللبنانيين، خاصة المقيمين في أفريقيا، بالإضافة إلى الطلاب اللبنانيين العائدين من الخارج لقضاء العطلة، وهؤلاء لا يمكن اعتبارهم سياحاً".

منذ عقود، تلاطمت بهم أمواج الحروب، حاصرتهم بلا رحمة، لكنهم، كشجر متجذّر، صمدوا، واجهوا العواصف، وتمسكوا بأرضهم. في صمت عاشوا معاناتهم، كتموا آلامهم، لكن عزيمتهم لم تنكسر، وإرادتهم ظلت عصيّة على الانحناء... إنهم مسيحيو الشريط الحدودي، الذين لطالما فُرِض عليهم دفع ثمن فاتورة حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.

ويعزو الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، هذا التراجع إلى عاملين أساسيين، "أولاً المعارك في الجنوب ومخاطر توسعها إلى كل لبنان، وثانياً فقدان لبنان للبنى التحتية اللازمة لضمان تجربة سياحية ممتعة، إذ يعاني من انقطاع متكرر للكهرباء والماء، ونقص في خدمات الأمن، وتردّي حالة الطرق، بالإضافة إلى مشكلات في سلامة الغذاء وتلك كلها تعتبر أسباباً طاردة للسياح، الذين يبحثون عن وجهات سياحية آمنة توفر لهم الخدمات الأساسية".

ويضاف إلى ذلك، بحسب ما يقوله "تكاليف السفر والإقامة في لبنان التي تعتبر مرتفعة للغاية مقارنة بالدول المجاورة، وذلك بسبب احتكار طيران الشرق الأوسط لرحلات الطيران، وارتفاع تكاليف التشغيل في المطاعم والفنادق".

فعلى سبيل المثال، "تضطر الفنادق إلى دفع ما بين 30 إلى 35% من إيراداتها لتأمين الكهرباء والماء، بينما لا يتجاوز هذا المعدل عالمياً 10%.. هذا الارتفاع في التكاليف ينعكس سلباً على أسعار الخدمات السياحية، لذلك لا بد من تخفيض التكاليف الإنتاجية من خلال لامركزية الطاقة واعتماد مصادر الطاقة البديلة".

ويشير إلى تقرير "أرنست أند يونغ" عن أداء الفنادق ذات فئتَي الأربع والخمس نجوم في منطقة الشرق الأوسط، الصادر في يناير الماضي، الذي أشار إلى أن "نسبة إشغال الفنادق في لبنان 20%. وهذه النسبة منخفضة جداً مقارنة بالمعدل الوسطي الذي يجب أن تكون عليه، مما يهدد جزءاً أساسياً من الخدمات السياحية في البلاد."

وأحرز لبنان تقدماً في مؤشر تطوّر السياحة والسفر للعام 2024، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إذ حلّ في المرتبة 79 عالمياً من بين 119 دولة، بينما احتل المرتبة الثامنة بين 12 دولة عربية. ويمثل هذا التصنيف تحسناً ملحوظاً مقارنة بنتائج عام 2021، إذ ارتقى لبنان 7 مراكز على المستوى العالمي ومركزا واحدا على مستوى الدول العربية.

يقيّم مؤشر تطوّر السياحة والسفر العوامل والأنظمة التي تدعم النمو المستدام لقطاع السياحة والسفر. ويتضمن المؤشر 17 ركيزة موزعة على 5 مؤشرات فرعية هي: البيئة الراعية، والإطار التنظيمي، والبنى التحتية والخدمات، وموارد السفر والسياحة، والاستدامة.

وحصل لبنان على نتيجة 3.66 نقطة على المؤشر، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 2.6% عن نتيجة عام 2021.

وتشير هذه النتائج إلى أن قطاع السياحة والسفر في لبنان يتمتع بمستوى من التطور يفوق بعض الدول مثل الإكوادور وتنزانيا، بينما يتخلف عن دول أخرى مثل سريلانكا وكينيا وأوزبكستان، وعلى صعيد الدول العربية، يتقدم لبنان على المغرب وتونس والكويت والجزائر فقط.

إصرار على النجاح

بغض النظر عن الأوضاع غير المستقرة التي يمر بها لبنان، يشدد نزهة على جاهزية قطاع المطاعم لاستقبال الزوار، مشيراً إلى "تنسيق الجهود بين النقابة وأصحاب هذه المؤسسات في مختلف المناطق لضمان تقديم أفضل الخدمات على مختلف المستويات"، وفيما يتعلق بسلامة الغذاء يعلّق "تولي النقابة اهتماماً كبيراً بها".

وعن الأسعار يوضح "هناك مروحة أسعار تناسب مختلف الميزانيات، كل مطعم يحدد أسعاره الخاصة بناءً على موقعه وما يقدمه، وجميع المؤسسات تلتزم بعرض أسعارها المصدقة من وزارة السياحة على مداخلها".

ويشير إلى أن قطاع المطاعم في لبنان يعاني من أعلى تكاليف تشغيلية في الشرق الأوسط، إذ يضطر مشغلوه إلى تأمين احتياجاته من كهرباء وماء ونقل بشكل مستقل، مما يشكل عبئاً كبيراً عليهم.

ويؤكد نزهة على أن هذا القطاع يشكّل ركيزة أساسية للاقتصاد اللبناني، إذ يتمتّع بقدرة تشغيلية كبيرة وقدرة استهلاكية عالية، ويستهلك كميات كبيرة من المنتجات الغذائية المحلية، بما في ذلك المشروبات الروحية والنبيذ، ويوفّر فرص عمل لعدد كبير من اللبنانيين وتألقه العام الماضي ساهم في عودة 10 آلاف لبناني من أصحاب الاختصاص الذين هاجروا قسراً، كما يساهم في زيادة إيرادات الدولة من خلال الضرائب التي يدفعها.

من جانبه يلقي الأشقر الضوء على غياب الدعم الحكومي لقطاع السياحة، مشيراً إلى أن "الحكومة لا تقدّم أي مساعدة تذكر، بينما تثقل كاهلنا بأعباء هائلة من الضرائب إلى فواتير الكهرباء والمياه من دون أن تؤمن هذه الخدمات، التي نضطر إلى تأمينها عبر مولدات خاصة ذات كلفة الباهظة، وشراء المياه".

وبعد أن كان لبنان بلداً جاذباً للسياح، تحوّل الآن إلى مصدّر لهم، بحسب أبو شقرا، إذ "يغادره شهرياً أكثر من 25 ألف شخص لقضاء عطلاتهم في دول أخرى مثل تركيا ومصر وبالتحديد إلى شرم الشيخ، الأمر الذي يُفقد الاقتصاد اللبناني عائدات سياحية مهمة".

استمرار هذه الأوضاع يهدد بحسب أبو شقرا "مستقبل القطاع السياحي في لبنان، ومكانة هذا البلد الرائد على خريطة السياحة العربية والعالمية".

ورغم كل الضبابية التي تخيّم على الأجواء، يتمسك نزهة بنظرة متفائلة لمستقبل هذا القطاع خلال الفترة المقبلة، إذ يعوّل على عودة المغتربين اللبنانيين بكثافة، مما سينعش كذلك السياحة الداخلية، التي أحيّت العديد من القرى اللبنانية، سواءً على الساحل أو في الجبل.

كما يشدد الأشقر على الاصرار على إنجاح هذا الموسم السياحي: "جميع المؤسسات تقوم بحملات ترويجية، وهناك مطاعم وفنادق جديدة تفتح أبوابها في بيروت، كما تُقام مهرجانات في مختلف المناطق لجذب السيّاح المتواجدين في لبنان. الأمر يتعلق بالإرادة، فنحن لا نستسلم للحروب ولا للخضات الأمنية. وعلى مدى 30 عاماً ونحن نقاوم الظروف التي تعيق السياحة".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".