جنازة حاشدة لضحايا ضربة مجدل شمس
جنازة حاشدة لضحايا ضربة مجدل شمس

رفضت قيادات دينية ومحلية درزية في الجولان إراقة "قطرة دم واحدة" بعدما توعدت إسرائيل بالرد على ضربة صاروخية في بلدة مجدل شمس نسبتها إلى حزب الله اللبناني، في وقت ما زال فيه الدروز في صدمة بعد الواقعة.

وطالت الضربة، السبت، ملعبا لكرة القدم في بلدة مجدل شمس الدرزية، ما أدى الى مقتل 12 من الفتية والفتيات. ونفى حزب الله "أي علاقة" له بالحادث.

وتوعد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتانياهو، بـ"رد قاس" على هذا القصف خلال زيارته مجدل شمس، الاثنين، فيما تبذل جهود دولية لتجنب مزيد من التصعيد.

واحتج العشرات من سكان البلدة على زيارة نتانياهو، واحتشدوا خلف حواجز معدنية تحت مراقبة عناصر من الشرطة، وفق صحفي في وكالة فرانس برس.

وقالت "الهيئة الدينية والزمنية في الجولان " في بيان ليل الاثنين تلقت فرانس برس نسخة عنه "نرفض أن تُراق قطرة دم واحدة تحت مُسمى الانتقام لأطفالنا، فالتاريخ يشهد لنا بأننا كنا وما زلنا دُعاة سلام ووئام بين الشعوب والأُمم حيث تُحرم عقيدتنا القتل والانتقام بأي صفة أو هدف".

وشددت على أن "التصريحات الخارجة عن الإجماع الجولاني سواء كانت من داخل الجولان أو خارجه لا تمثل إلا صاحبها".

ويناهز عدد سكان مجدل شمس 11 ألف نسمة غالبيتهم من الدروز الذين ما زالوا يحملون الجنسية السورية ورفضوا الحصول على الجنسية الإسرائيلية.

وأثارت الضربة في مجدل شمس مخاوف دولية متجددة من تفجر نزاع إقليمي مرتبط بالحرب المستمرة في غزة بين إسرائيل وحركة حماس، والتي اندلعت إثر الهجوم غير المسبوق للحركة الفلسطينية على مواقع ومناطق في جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر.

وقال وزير الخارجية اللبناني، عبد الله بوحبيب، الأحد، إن عدة دول، من بينها فرنسا والولايات المتحدة، تحاول احتواء مخاطر التصعيد.

"صدمة"

وشعر كثيرون من أفراد الطائفة الدرزية في هضبة الجولان بالصدمة بعد هذه الحادثة. وقالت راية فخر الدين، أحد سكان قرية مجدل شمس الدرزية حيث كان الأطفال والفتيان الاثنا عشر يلعبون كرة القدم عندما سقط الصاروخ عليهم يوم السبت، إن السكان كانوا يشعرون بدرجة كبيرة من الأمان حتى عندما كانت الصواريخ تنطلق في أماكن أخرى.

وقالت "لقد كان الأمر بمثابة صدمة لأننا لم نشعر بأننا مستهدفون ولو لمرة واحدة خلال الأشهر التسعة الماضية، حتى عندما كانت تدوي صفارات الإنذار".

وباعتبارهم أقلية عربية في إسرائيل ولبنان والأردن وسوريا وهضبة الجولان، يشغل الدروز مكانة خاصة في السياسة المعقدة في المنطقة.

وعلى النقيض من معظم الفلسطينيين من عرب 48 في إسرائيل، يخدم الكثير من الدروز في الشرطة والجيش الإسرائيليين بما يشمل الحرب في غزة، ووصل بعضهم إلى رتب عالية.

"غموض"

وانعكس غموض الموقف الدرزي على الجنازة التي أقيمت، الأحد، حيث شارك الآلاف في توديع القتلى في مجدل شمس دون أن تظهر أي أعلام إسرائيلية أو سورية كما غاب الحديث السياسي إلى حد بعيد.

وقالت راية "الكثير من الدروز يشعرون بالغضب ولا يريدون أن يكونوا وقودا في هذه الحرب لأي طرف".

وأدت المواجهة بين إسرائيل وحزب الله إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان على جانبي الحدود بين إسرائيل ولبنان ولكنها لم تصل حتى الآن إلى حد الحرب الشاملة التي يخشاها كثيرون الآن.

واستنكر سلطان أبو جبل (62 عاما)، الذي يعمل ويعيش في مجدل شمس وفقد حفيدته في الهجوم، ما وصفها بأنها "حرب مجنونة".

وأضاف "كلهم ناس أبرياء... شو ذنبي أنا إذا كان فيه مشاكل بين حزب الله ودولة إسرائيل؟".

السياسة الإقليمية حاضرة في الهجوم

وقال غالانت خلال زيارة لمجدل شمس "الطفل اليهودي الذي قُتل على حدود غزة في السابع من أكتوبر والطفل الدرزي الذي قُتل في هضبة الجولان هما الطفل نفسه. هؤلاء أطفالنا".

وعلى الجانب الآخر من الخط الفاصل، قال الزعيم الدرزي في لبنان وليد جنبلاط، وهو خصم سابق لحزب الله لكنه تصالح مع الجماعة بعد ذلك، لقناة الجزيرة إن الادعاء الإسرائيلي بأن حزب الله أطلق الصاروخ هو "افتراء".

وفي الجانب السوري، صلى الشيخ الدرزي يوسف الجربوع على القتلى واتهم إسرائيل "بارتكاب مجازر يومية" في خطاب نشرته وسائل إعلام رسمية سورية مصحوبا بصورة تظهر العلمين السوري والدرزي خلفه وصورة للرئيس بشار الأسد حليف حزب الله.

وقالت لبنى البسيط، وهي ناشطة مناهضة للأسد في السويداء أكبر مدينة درزية في سوريا "الحادث يستغله جميع الأطراف".

وقال مهند الحاج علي من مركز كارنيغي للشرق الأوسط "هناك تنافس. من هو الصوت الحقيقي للمجتمع الدرزي - هل هم الدروز الإسرائيليون الذين اندمجوا في إسرائيل ويخدمون في الجيش، أم هم اللبنانيون الذين يتخذون موقفا مناهضا لإسرائيل، وتحديدا جنبلاط الذي يعد زعيما تاريخيا للدروز".

وبينما يتأهب لبنان لاحتمال شن ضربات إسرائيلية عليه من المتوقع أن تتجاوز ما شهدناه حتى الآن في الحرب، فإن الدروز في مجدل شمس لم يبق أمامهم سوى الانتظار.

وقال الشيخ سليم أبو جبل "بنتمني إنه تنتهي هذه الحرب وتكون هذه المجزرة آخر مجازر هذه الحرب المدمرة... نحن دعاة سلام لا نعتدي على أحد ولا نقبل أن يعتدي علينا أحد".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

Smoke rises as pictured from the town of Qlayaa
دخان متصاعد إثر غارة إسرائيلية على إحدى قرى جنوب لبنان- تعبيرية

بعد استقلاله في 22 نوفمبر 1946 ونهاية الانتداب الفرنسي، وجد لبنان نفسه منخرطا في أولى الحروب بين الدول العربية وإسرائيل سنة 1948. حينها، شهد جنوب لبنان معارك في جنوبه أي على الحدود مع الأراضي الفلسطينية على الرغم من بعض فترات الهدنة. 

وفي عام 1958، نتيجة التجاذبات بين مسيحيي ومسلمي لبنان على خلفية الانضمام أم لا للحرب إلى جانب الرئيس المصري جمال عبد الناصر، اختبر لبنان أزمة جديدة كادت أن تشعل حرباً أهلية.

لم يسلم لبنان من تأثيرات حرب 1967 حيث شنت الجماعات الفلسطينية المسلحة هجمات ضد إسرائيل انطلاقاً من لبنان وسوريا والأردن وحركت ردودا انتقامية من الجانب الإسرائيلي.

لكن الهدوء الحذر الذي عرفه لبنان لمدة 8 أعوام تلت، لم يكن سوى مقدمة للعاصفة التي مزقت البلاد على مدى 15 عاما، حيث اندلعت الحرب الأهلية في 1975 ولم تنته إلا عام 1990 مع توقيع اتفاق "الطائف" في المملكة العربية السعودية.

الحرب الأهلية بدأت على خلفية التوترات بين القوات الإسلامية المتحالفة مع القوات الفلسطينية المتواجدة في لبنان والمسيحيين المنحازين للغرب. شاركت قوات أجنبية، مثل سوريا كما استغلتها إسرائيل للاجتياح، وعرفت البلاد دخول قوات حفظ السلام، على غرار القوات الأممية متعددة الجنسيات. 

مزقت الحرب الأهلية لبنان على أساس طائفي ولا تزال تأثيراتها تعود لتطفو إلى السطح كلما تشنج الخطاب السياسي.

خلال الحرب الأهلية وبعدها، عاش لبنان حربا جديدة بين 1985 و2000 في الجنوب اللبناني، انتهت بالانسحاب الإسرائيلي إلى خلف ما يُعرف بالخط الأزرق. بيد أن لبنان لم يعش فترة سلام طويلة حيث استمرت التشنجات على المستوى الرسمي بين المؤيدين لوجود النظام السوري (داخل البلاد منذ بداية الحرب الأهلية) والرافضين له، فعرفت البلاد موجة من الاغتيالات التي استهدفت لاعبين رئيسيين، مثل رئيس الحكومة رفيق الحريري عام 2005.

أشعل هذا الاغتيال شرارة الغضب في الشارع اللبناني، وتلاه الانسحاب السوري الرسمي، لتسجل حينها ثورة "14 آذار" التي دعت لسيادة لبنان.

في عام 2006، لم يكد لبنان يلملم جراحه الداخلية حتى شنت إسرائيل عدواناً دام أكثر من شهر، وتسبب بخسائر هائلة على مستوى الأرواح والاقتصاد والبنى التحتية، وذلك على خلفية اختطاف حزب الله جنديين إسرائيليين. 

لم يسد الهدوء بعد انتهاء العدوان الإسرائيلي، إذ تعرض لبنان لخضة داخلية جديدة بين مايو وسبتمبر 2007 مع اندلاع معارك شمال البلاد بين مجموعة إسلامية متشددة تعرف باسم "فتح الإسلام" والجيش اللبناني في مخيم للاجئين الفلسطينيين في نهر البارد قريباً من مدينة طرابلس.

بعد ذلك بعام واحد، خضة داخلية جديدة كادت أن تجر البلاد إلى الهاوية مع أحداث السابع من مايو 2008 على خلفية قرارين من مجلس الوزراء اللبناني بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله وإقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي العميد وفيق شقير.

آنذاك، رأى البعض في ذلك "استهدافا للمقاومة"، ولم تتوقف التوترات إلا بعد سحب الحكومة القرارين محل النزاع. وزادت هذه الأحداث من تعميق الانقسام الطائفي.

بعدها بأربع سنوات، عاد لبنان ليشعر بوطأة الحرب الأهلية مع الحرب السورية وموجات اللجوء والانقسام الداخلي بين مؤيد للنظام ومؤيد للمعارضة. وباتت البلاد معبرا للنزوح ثم مكاناً للإقامة مع بقاء المخيمات حتى يومنا هذا.

وفي عام 2020، سجل ثاني أكبر انفجار غير نووي عرفه العالم مع انفجار مرفأ بيروت في الرابع من أغسطس، موديا بحياة أكثر من 220 شخصاً وجرح 6500 شخص، وتعميق الشرخ مع تبادل الاتهامات حول المسؤولية عن وجود مادة نيترات الأمونيوم في المرفأ، ولا تزال التحقيقات مستمرة حتى اليوم.

حاليا، بينما لا يزال لبنان يرزح تحت وطأة أثقل أزمة اقتصادية منذ "ثورة 17 تشرين الأول 2019"، تقف البلاد على شفا حرب جديدة مع تهديد إسرائيل بتوسيع عملياتها من الجنوب اللبناني لتشمل البلاد كلها.

على الرغم من عدم اليقين حول الخطوة التالية لإسرائيل، يقف لبنان أكثر من أي وقت مضى على شفير الهاوية مع الانقسام بين مؤيد للانخراط في الحرب ورافض لها.