خطوط الملاحة البحرية قرب سواحل اليمن تعتبر أساسية للشحن حول العالم. أرشيفية
خطوط الملاحة البحرية قرب سواحل اليمن تعتبر أساسية للشحن حول العالم. أرشيفية

في إطار التصعيد الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، وسط الحرب الدائرة بين إسرائيل وحركة حماس المسيطرة على قطاع غزة، تزداد الأمور تعقيدا في منطقة البحر الأحمر، حيث يصر المتمردون الحوثيون المدعومون من إيران، على مهاجمة سفن شحن تجارية قرب سواحل اليمن، وتحديدا في منطقة باب المندب الحيوية، دعما لحماس.

وفي هذا السياق، أعلنت الولايات المتحدة تشكيل عملية متعددة الجنسيات لحماية التجارة في البحر الأحمر. 

وقال وزير الدفاع الأميركي، لويد أوستن، الثلاثاء، خلال زيارة إلى البحرين التي تستضيف مقر قيادة الأسطول الأميركي في الشرق الأوسط، إن الدول المشاركة في المبادرة التي تحمل اسم "حارس الازدهار" تضم بريطانيا والبحرين وكندا وفرنسا وإيطاليا وهولندا والنرويج وسيشل وإسبانيا. وأعلنت اليونان، الخميس، مشاركتها فيها.

وأوضح أن المجموعة ستعمل على تسيير دوريات مشتركة في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن، موضحا في بيان: "هذا تحد دولي يتطلب عملا جماعيا".

ورد زعيم الحوثيين، عبدالملك الحوثي، الأربعاء، بالتحذير من أن جماعته ستهاجم البوارج الأميركية، إذا تعرضت لاستهداف من واشنطن.

وأضاف في كلمة متلفزة: "إذا كان لدى الولايات المتحدة توجه باستهداف اليمن فلن نقف مكتوفي الأيدي"، مشيرًا إلى أنهم سيجعلون "البوارج والمصالح والملاحة الأميركية هدفا لصواريخهم وطائراتهم المسيرة وعملياتهم العسكرية".

وتأثرت التجارة العالمية بشكل سلبي بهجمات الحوثيين، التي عطلت طريق تجارة رئيسي يربط أوروبا وأميركا الشمالية بآسيا عبر قناة السويس.

وعلقت شركات كبرى، من بينها شركة النفط "بي.بي"، عمليات النقل عبر البحر الأحمر، فيما قررت شركات مثل "ميرسك" تغيير مسار شحناتها التي تمر عادة عبر قناة السويس، لتتخذ طريق رأس الرجاء الصالح في الجزء الجنوبي من قارة أفريقيا، رغم المسافة الأطول.

تسلسل زمني للهجمات

شهد البحر الأحمر نحو 38 حادثا تورط فيه الحوثيون منذ 19 نوفمبر الماضي، وأغلب تلك الهجمات كانت قرب مضيق باب المندب، وفق ما كشفه تقرير مرفق بالخرائط من شركة "أمبري" البريطانية للأمن البحري.

ويمر نحو 12 بالمئة من حركة الشحن العالمية عبر قناة السويس، وهي أقصر طريق ملاحي بين أوروبا وآسيا، لتعبر بعد ذلك أيضا البحر الأحمر قبالة اليمن.

وفي العادة، تبحر نحو 11800 رحلة شهريا عبر قناة السويس، وحوالي 393 رحلة يوميا، وفقا لتحليل أجرته وكالة رويترز لبيانات من شركة أبحاث سلسلة التوريد "بروجيكت44".

وبدأت الحوادث في 19 نوفمبر، حينما أعلن الحوثيون الاستيلاء على السفينة التي ترفع علم جزر الباهاماس "غالاكسي ليدر"، ووصفوها بأنها "إسرائيلية".

و"غالاكسي ليدر" تعود ملكيتها إلى شركة مقرها جزيرة مان، تدعى "راي كار كاريرز"، وهي وحدة تابعة لشركة "راي شيبينغ" المسجلة في تل أبيب.

وترتبط السفينة المختطفة "غالاكسي ليدر" برجل الأعمال الإسرائيلي، أبراهام رامي أونغار، بحسب وكالة فرانس برس.

وتوالت بعد ذلك الحوادث، ففي يوم 24 نوفمبر تم استهداف سفينة تحمل علم مالطا. وذكرت شركة "إمبري" أنها تعرضت لأضرار بعد انفجار طائرة مسيرة على مسافة قريبة منها.

وأضافت الشركة، وفق فرانس برس، أن "السفينة تديرها شركة على صلة بإسرائيل، ويشير التقييم إلى أن ذلك هو سبب استهدافها"، مضيفة أنه في الأيام التي سبقت الهجوم، تمّ إطفاء إرسالات تعقب السفينة بعيد إبحارها من أحد موانئ دولة الإمارات.

يوم 26 نوفمبر، نقلت رويترز عن مسؤولين أميركيين أن سفينة تابعة للبحرية الأميركية استجابت لنداء استغاثة من ناقلة في خليج عدن استولى عليها مسلحون، حيث تم التعامل مع الموقف وباتت في وضع آمن.

وكانت الناقلة "سنترال بارك" التي ترفع علم ليبيريا تحمل شحنة من حمض الفوسفوريك، وهي مرتبطة برجل الأعمال الإسرائيلي الملياردير إيال عوفر، وفق "تايمز أوف إسرائيل".

مواقع استهداف السفن قبالة سواحل اليمن

أما يوم 27 نوفمبر، فقد تعرضت الناقلة "إم إس سي أمبرا" التي تحمل علم بنما، لرصد بواسطة طائرة بدون طيار.

وتواصلت الهجمات، إذ شهد يوم الثالث من ديسمبر، 3 حوادث، حيث أعلن الجيش الأميركي تعرض 3 سفن تجارية لهجمات جنوبي البحر الأحمر.

واستجابت المدمرة الأميركية "كارني" لنداءات استغاثة، وقدمت الدعم للسفن بعد إطلاق صواريخ وطائرات بدون طيار من مناطق يمنية يسيطر عليها الحوثيون.

وتقول جماعة الحوثي إنها تستهدف السفن "بعدما لا تستجيب للتحذيرات".

كما أعلنت وزارة الدفاع الفرنسية يوم 12 ديسمبر، أن فرقاطة فرنسية أسقطت طائرة بدون طيار هددت الناقلة "ستريندا" التي ترفع علم النرويج، وذلك بعد تعرضها لمحاولة اختطاف، على بعد 110 كيلومتر من ميناء الحديدة اليمني الذي تسيطر عليه جماعة الحوثي.

وسبق ذلك تهديدات لسفن تحمل أعلام سنغافورة وجزر مارشال يومي 10 و11 ديسمبر.

وفي يوم 15 ديسمبر، قالت شركة "أمبري" البريطانية، إن سفينة حاويات ترفع علم ليبيريا مملوكة لشركة "هاباج-لويد إيه.جي"، تعرضت لأضرار جراء "هجوم جوي" على بعد 50 ميلا بحريا شمال ميناء المخا اليمني.

وأضافت أمبري، وفق رويترز، أن السفينة "كانت تتحرك جنوبا عبر مضيق باب المندب، عندما أصيبت بمقذوف تسبب في نشوب حريق على سطحها، وسقوط حاوية في البحر".

وفي اليوم نفسه، قالت أمبري إن سفينة الحاويات "إم.إس.سي بالاتيوم 3" المملوكة لشركة سويسرية وترفع علم ليبيريا، تم استهدافها أثناء تحركها شمالا على بعد حوالي 22 ميلا بحريا جنوب غرب ميناء المخا اليمني.

وكانت السفينة متجهة إلى ميناء جدة السعودي. وقالت أمبري في تقييمها إنه "من المرجح أن سفينة الحاويات تلقت تحذيرا من الحوثيين اليمنيين، بعدم المرور عبر البحر الأحمر".

وفي حادثة ثالثة، قال مسؤول دفاع أميركي، إن مقذوفا انطلق من منطقة خاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن أصاب سفينة الجسرة التي ترفع علم ليبيريا ومملوكة لشركة ألمانية، مما تسبب في نشوب حريق دون وقوع إصابات.

كما أشارت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، في 18 ديسمبر، إلى واقعتين منفصلتين قرب المضيق عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر.

باب المندب من أهم الممرات البحرية في العالم

وقالت الهيئة في مذكرة إرشادية، إنها تلقت تقريرا عن انفجار محتمل وقع في المياه على بعد ميلين بحريين من إحدى السفن التي كانت تبعد 30 ميلا بحريا جنوب ميناء المخا.

وأضافت في مذكرتين منفصلتين أنها تلقت تقريرين عن "واقعة" ثانية حدثت على بعد 30 ميلا بحريا إلى الشمال الغربي من المخا، وثالثة على بعد 24 ميلا بحريا جنوب شرق الميناء، بحسب رويترز.

كما ذكرت شركة أمبري، الثلاثاء، أنها تلقت معلومات عن محاولة محتملة لاعتلاء سفينة على بعد 71 ميلا بحريا إلى الغرب من مدينة عدن الساحلية باليمن، مضيفة أن الهجوم لم ينجح وأن جميع أفراد الطاقم بخير.

وأوضحت في مذكرة: "تلقت سفينة في المنطقة المجاورة اتصالا عالي التردد من سفينة تتعرض لهجوم قرصنة في الموقع. وبعد نصف ساعة، وصلت طائرة.. إلى مكان الواقعة لتمشيط المنطقة".

وأكدت أمبري أن قوارب صغيرة اقتربت من 3 سفن تجارية بينما كانت تبحر باتجاه الشرق على بعد 71 ميلا إلى الجنوب الغربي من عدن. وأضافت المذكرة أن زورقا يمني الطراز اقترب من سفينة شحن ترفع علم ليبيريا ضمن مسافة قدرها نصف ميل.

وتابعت أمبري أن السفينة أجرت مناورات هروب بتغيير مسارها وزيادة سرعتها.

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة
صورة أرشيفية لحاكم مصرف لبنان رياض سلامة

من "منقذ مالي" للبنان ورمز للاستقرار الاقتصادي، إلى متهم بالاختلاس والفساد على المستويين المحلي والدولي.. هكذا تحولت مسيرة حاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، الذي قضى 30 عاماً على قمة السلطة المالية، قبل أن يصبح موقوفاً خلف القضبان.

قرر النائب العام التمييزي، القاضي جمال الحجار، الثلاثاء، توقيف سلامة بعد استجوابه على مدى نحو 3 ساعات، بشأن "شبهات اختلاس من مصرف لبنان". وقد ركز التحقيق، كما أوردت الوكالة الوطنية للإعلام، على ملف "أوبتيموم"، وهي شركة لبنانية تقدم خدمات الوساطة المالية.

وعقب قرار توقيف سلامة، صرّح الحجار بأن "الخطوة القضائية التي اتخذت بحق سلامة هي احتجاز احترازي لمدة 4 أيام، على أن يحال بعدها إلى قاضي التحقيق لاستجوابه واتخاذ القرار المناسب بحقه".

والأربعاء، نقلت وكالة رويترز عن مصدرين قضائيين، أن سلامة، الذي ألقي القبض عليه، الثلاثاء، بتهمة ارتكاب جرائم مالية، سيظل رهن الاحتجاز حتى موعد جلسة استماع "من المرجح أن تنعقد الأسبوع المقبل".

وأضاف المصدران أنه بعد استجوابه، "يمكن للقاضي الذي يرأس الجلسة أن يقرر ما إذا كان سيبقيه قيد الاحتجاز أم لا"، لافتين إلى أنه "لم يتم اتخاذ قرار بعد بشأن هذا الأمر".

وعلى مدار سنوات، كان سلامة يعتبر الركيزة الأساسية للنظام المالي اللبناني، لكن مع انهيار الاقتصاد في عام 2019، تغيرت هذه الصورة تماما.

فمع تفاقم الأزمة الاقتصادية والمالية، واجه اللبنانيون فقراً متزايداً، لاسيما مع تجميد ودائعهم في المصارف، وفقدان الليرة اللبنانية أكثر من 95 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار، مما أدى إلى سخط شعبي "انفجر" في الشارع على شكل احتجاجات واسعة اندلعت في أكتوبر 2019.

التدهور المالي والاقتصادي الذي شهده لبنان، دفع القضاء اللبناني وعدداً من الدول الأوروبية، إلى فتح تحقيقات حول تورط سلامة في استغلال منصبه لاختلاس المال العام، وبناء ثروة بالفساد.

"مهندس" أم "ساحر"؟

تولى سلامة الذي يحمل الجنسية الفرنسية أيضاً، منصب حاكم مصرف لبنان عام 1993، بتعيين من رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري، بعد مسيرة مهنية في شركة "ميريل لينش" المالية العالمية، وذلك بعد أن حائز على شهادة في الاقتصاد من الجامعة الأميركية في بيروت.

اعتُبر سلامة "مهندس السياسات المالية" في مرحلة ما بعد الحرب الأهلية (1975-1990).

ووفق تقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية في أغسطس 2023 بعنوان "الساحر: رياض سلامة ونهب لبنان"، "اعتمد النظام المالي اللبناني بشكل كبير خلال فترة حكم سلامة على تدفقات رأس المال من دول الخليج والمغتربين اللبنانيين الأثرياء، مستفيداً من قوانين السرية المصرفية".

وأضاف أنه "لضمان استقرار أسعار الفائدة وتمويل خطط إعادة الإعمار، ثبّت سلامة والحريري سعر صرف الليرة اللبنانية عند 1507 ليرات للدولار، وهو مستوى استمر حتى الانهيار المالي".

ونجح النظام المالي الذي أشرف عليه سلامة في توفير مستوى معيشي مرتفع للكثير من اللبنانيين، رغم أن الاقتصاد الوطني كان غير منتج. وحصل المدخرون على أسعار فائدة مرتفعة، وتمكنوا من تحويل عملاتهم المحلية إلى الدولار بسعر صرف ثابت، مما عزز ثقتهم في سلامة، خاصة مع نجاح لبنان في تجاوز الأزمة المالية العالمية عام 2008.

ورغم إعادة بناء لبنان خلال هذه الفترة، فإن ذلك تم على حساب الاقتصاد الوطني، فقد تجاوزت نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 150 بالمئة، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم خلال العقدين الماضيين، كما أوردت "فايننشال تايمز"، مضيف أنه "لُقب بالساحر لقدرته على إبقاء الاقتصاد اللبناني صامداً في مواجهة الصراعات والفوضى السياسية".

السلطات الفرنسية والإنتربول أصدروا مذكرات اعتقال بحق رياض سلامة. أرشيفية
ومع تباطؤ التحويلات بالدولار، زادت الضغوط على نظام مالي يتطلب تدفقات مستمرة من العملة الصعبة للصمود.

وفي عام 2016، لجأ سلامة، حسب وكالة رويترز، إلى سحب الدولارات من البنوك المحلية بأسعار فائدة مرتفعة، وهي خطوة وصفها البنك الدولي بأنها "مخطط بونزي"، حيث تعتمد على الحصول على قروض جديدة لسداد الديون القائمة.

ومع نضوب الدولارات، جُمّدت الودائع بالعملات الأجنبية لمعظم المدخرين، أو أُجبروا على إجراء عمليات سحب بالعملة المحلية وفقاً لأسعار صرف أفقدت مدخراتهم معظم قيمتها، مما أدى إلى انهيار الثقة في النظام المالي الذي أشرف عليه سلامة، حسب رويترز.

واعتبر خبراء اقتصاديون أن "إصرار سلامة على الحفاظ على سعر الصرف الثابت بأي ثمن كان أحد الأسباب الرئيسية وراء الأزمة المالية التي عصفت ولا تزال بلبنان".

يذكر أن سلامة نال العديد من الجوائز والأوسمة العالمية على مدار مسيرته، من بينها جائزة "أفضل حاكم مصرف مركزي في العالم" لعام 2006 من مجلة "يورو موني"، وجائزة مماثلة من مجلة "بانكر" في عام 2009.

تحقيقات وعقوبات

بعد الانهيار المالي والاقتصادي في لبنان، أطلقت سويسرا عام 2020 تحقيقاً في أنشطة سلامة، تلاها في عام 2021 لبنان وفرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ. كما حققت السلطات في موناكو وليختنشتاين وبلجيكا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة في تلك الأنشطة، وفق "فايننشال تايمز".

وتشتبه هذه الدول بضلوع سلامة في "جرائم اختلاس أموال عامة وتبييض أموال وفساد، بالإضافة إلى تحميله جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الأزمة المالية التي أصابت البلاد".

وفي أغسطس 2023، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية بياناً اتهمت فيه سلامة باستغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية ضخمة على حساب الشعب اللبناني.

وكشف البيان عن "تورط سلامة في تأسيس عدد من الشركات الوهمية وفتح حسابات مصرفية في أوروبا ومنطقة البحر الكاريبي، مما سمح له بإدارة مخططات مالية معقدة تهدف إلى إثرائه الشخصي بمساعدة أفراد من عائلته وزملائه المقربين".

وأحد أبرز هذه المخططات كان تعاونه مع شقيقه رجا سلامة عبر شركة وهمية مسجلة في جزر فيرجن البريطانية باسم "فوري"، لتحويل حوالي 330 مليون دولار من معاملات مصرف لبنان.

وكجزء من هذا المخطط، وافق رياض سلامة على عقد يسمح لشركة شقيقه بالحصول على عمولة على مشتريات الأدوات المالية من قبل البنوك اللبنانية من مصرف لبنان، على الرغم من أن شركة رجا لم تقدم أية فائدة واضحة لهذه المعاملات، وتجنب العقد تسمية شركة فوري أو مالكها. ثم نقل سلامة ورجا هذه الأموال إلى حسابات مصرفية بأسمائهما أو بأسماء شركات وهمية أخرى.

وانضمت ماريان حويك، المساعدة الرئيسية لسلامة في مصرف لبنان، إلى الثنائي في هذه المغامرة، من خلال تحويل مئات الملايين من الدولارات - أكثر بكثير من راتبها الرسمي في مصرف لبنان - من حسابها المصرفي الخاص إلى حسابات سلامة ورجا.

وقد تم تحويل الأموال المحولة بشكل متكرر إلى عدد من شركات إدارة العقارات في فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ وبلجيكا، التي كانت مسجلة باسم نجل سلامة، نادي سلامة، أو شريكة سلامة السابقة، الأوكرانية آنا كوساكوفا التي لسلامة ابنة منها، وفقا لشهادة ميلاد اطّلعت عليها "رويترز"، واستخدمت تلك الأموال لشراء عقارات فاخرة.

حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة. أرشيف
وأشارت وزارة الخزانة الأميركية إلى أن سلامة "استخدم شركات وهمية في بنما، وصندوقاً ائتمانياً في لوكسمبورغ، لإخفاء هويته عند شراء أسهم في شركة عمل فيها ابنه كمستشار استثماري". ولاحقاً، باع هذه الأسهم إلى مصرف لبناني يخضع لتنظيم مصرف لبنان، مما يشكل تضارباً واضحاً في المصالح وانتهاكاً محتملًا للقانون اللبناني.

على أثر ذلك، أدرجت واشنطن سلامة على قائمة العقوبات، متهمة إياه بالتورط في ممارسات فاسدة وغير قانونية ساهمت في تدهور سيادة القانون في لبنان.

ولم تقتصر العقوبات على سلامة وحده، بل شملت أيضاً أفرادا من عائلته وشركائه. وأكدت الوزارة أن هذه الإجراءات جاءت بالتنسيق مع المملكة المتحدة وكندا، ضمن جهود مشتركة لمحاسبة من يسيئون استخدام مناصبهم لتحقيق مكاسب شخصية على حساب الشعب اللبناني.

أرباح بالمليارات

فيما يتعلق بملف شركة "أوبتيموم"، كشف التدقيق الذي أعدته شركة "كرول"، أن مصرف لبنان قدّم قرضاً للشركة بقيمة 8.6 مليار دولار لشراء سندات خزينة من المصرف نفسه. ومع كل عملية، كان المصرف يعيد شراء السندات من الشركة، مما رفع القيمة الإجمالية إلى 16.6 مليار دولار، وفق وسائل إعلام لبنانية.

نتيجة لهذه العمليات، حققت الشركة أرباحاً بقيمة 8 مليارات دولار، وُضعت في حساب بمصرف لبنان قبل أن تسحب إلى جهة مجهولة. ولم يسمح لشركة "آلفاريز آند مرسال"، المتخصصة في تقديم الخدمات الاستشارية، بتتبع حركة الأموال خلال التدقيق الجنائي.

وأعيد فتح ملف "أوبتيموم" مؤخراً بناءً على تقرير وحدة الأسواق المالية، ودعوى قضائية مقدمة من مجموعة من المدعين بينهم محامون.

وعقب توقيف سلامة، الثلاثاء، انقسم اللبنانيون بين من يرون في هذه الخطوة "بداية جادة لمعالجة قضايا الفساد والشبهات المالية المرتبطة به"، ومن يعتبرون أن الأمر "لا يتعدى كونه مسرحية قضائية ستنتهي بتبرئته".

يذكر أن الممثلة اللبنانية ستيفاني صليبا، برزت في قضايا سلامة، حيث تم توقيفها عام 2022 من قبل القضاء اللبناني على خلفية تحقيقات تتعلق بشبهات "تبييض أموال وإثراء غير مشروع"، قبل أن يتم الإفراج عنها بعد ساعات.

سلامة ملاحق في أوروبا ولبنان بتهم اختلاس أموال
وارتبط اسم صليبا بسلامة بعد أن قامت بتصوير إعلان ترويجي لمصرف لبنان في أكتوبر 2019، حيث ظهرت في الفيديو مرتدية أزياء تحمل فئات من عملة الليرة اللبنانية تحت شعار "ليرتنا قوتنا"، لصالح مجلة الأزياء اللبنانية "Spécial Madame Figaro" الصادرة باللغة الفرنسية.

أثارت صورة صليبا وهي ترتدي قميصاً يحمل الليرة الواحدة، اهتماماً كبيراً آنذاك، لكنها واجهت انتقادات بعد الانهيار المالي الكبير الذي ضرب الاقتصاد اللبناني بعد فترة قصيرة من حملة "ليرتنا قوتنا"، مما جعل الممثلة في مرمى الانتقادات، باعتبار أنها "جزءا من الماكينة الإعلامية لسلامة والمقربين منه، الذين روجوا إلى وضع مالي لليرة بشكل مغاير للواقع".

"تلاعب وسوء إدارة"

كشف تقرير التدقيق الجنائي الصادر عن شركة "ألفاريز ومارسال" في 11 أغسطس 2023 عن "سوء إدارة" وثغرات كبيرة في عمل مصرف لبنان المركزي خلال السنوات الخمس الماضية، مع التركيز على دور سلامة.

التقرير، الذي جاء في 332 صفحة، أشار إلى أن "الوضع المالي للمصرف المركزي تدهور بسرعة بين عامي 2015 و2020".

ومع ذلك، لم يظهر هذا التدهور في الميزانية العمومية للمصرف، وذلك بفضل سياسات حسابية "غير تقليدية" سمحت للمصرف بالمبالغة في تقدير الأصول والأرباح وتجنب إظهار الخسائر الحقيقية.

وأكد التقرير أن الهندسات المالية التي أشرف عليها سلامة كانت "مكلفة للغاية"، وأبرز أن سلطته كصاحب القرار الرئيسي لم تكن تحت "رقابة كافية". كما كشف عن "دليل على دفع عمولات غير شرعية" بلغت 111 مليون دولار، مشيراً إلى احتمال وجود مخطط أكبر للعمولات.

وخلال استجوابه، أفاد سلامة للمحققين الأوروبيين بأن قيمة ممتلكاته النقدية والعقارية في عام 1993 بلغت 60 مليون دولار، منها 8 ملايين دولار من الأراضي العائلية الموروثة، وذلك وفقاً لتقرير "فايننشال تايمز"، مضيفا أن ثروته الحالية تقدر بنحو 200 مليون دولار، مما يعني أنها تضاعفت أكثر من 3 مرات خلال 3 عقود.

وأشارت الصحيفة، إلى أن سلامة أرجع تراكم ثروته إلى سنوات عمله كمصرفي استثماري وإلى استثماراته اللاحقة. إلا أن دراسة مالية أجراها محققون ألمان في عام 2022، خلصت إلى أنه "لم يكن بإمكان سلامة جمع كل هذه الثروة بالأموال التي كان يمتلكها بشكل شرعي قبل توليه منصب الحاكم".

مصادر مطلعة على التحقيقات أكدت للصحيفة أن تقديرات سلامة لثروته "قد تكون متحفظة"، حيث من المحتمل أن تكون "العديد من الأصول مخفية في ملاذات ضريبية أو محمية بسرية البنوك في لبنان".

تجدر الإشارة إلى أن شركة "ألفاريز ومارسال" كانت قد علقت عملها في التدقيق الجنائي لمدة تقارب العام، بعدما رفض مصرف لبنان تزويدها بكافة المستندات المطلوبة بحجة السرية المصرفية، قبل أن تستأنف عملها في أكتوبر 2021.

كبش فداء؟

وأعلنت وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في مجال العدالة الجنائية (يوروجست) في مارس 2022، عن تجميد فرنسا وألمانيا ولوكسمبورغ 120 مليون يورو من الأصول اللبنانية.

وكان هذا الإجراء جزءاً من تحقيق يستهدف سلامة، و4 من المقربين منه، بتهم غسل أموال واختلاس أموال عامة في لبنان، تجاوزت قيمتها 330 مليون دولار و5 ملايين يورو بين عامي 2002 و2021.

فرنسا صادرت بعض ممتلكات حاكم مصرف لبنان رياض سلامة
وفي مارس 2023، تقدّمت الدولة اللبنانية بادعاء شخصي بحق سلامة، بجرائم الرشوة والتزوير وتبييض الأموال والإثراء غير المشروع والتهرّب الضريبي. وشمل الادعاء اللبناني إلى جانب سلامة، شقيقه رجا، ومساعدته ماريان الحويك، وكل من يظهره التحقيق.

وفي مايو 2023، أصدر القضاء الفرنسي مذكرة اعتقال بحق سلامة بتهم اختلاس أموال عامة، بالإضافة إلى نشرة حمراء من الإنتربول للقبض عليه.

وكانت السلطات الألمانية قد أصدرت في ذات الشهر مذكرة اعتقال بحقه بتهم الفساد، إلا أن هذه المذكرة ألغيت "لأسباب فنية"، وفقاً لما صرّح به مكتب المدعي العام في ميونخ لرويترز. ومع ذلك، تواصل التحقيقات وتبقى أصول سلامة المالية مجمدة.

وفي يوليو 2023، وافق القضاء الفرنسي على نقل أصول مجمدة تخص سلامة وشركاءه إلى الدولة اللبنانية. وفي 14 أغسطس 2023، أصدرت هيئة التحقيق الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب في مصرف لبنان، قراراً بتجميد الحسابات المصرفية لسلامة و4 من شركائه، بعد رفع السرية المصرفية عن حساباتهم.

وأثناء مقابلة تلفزيونية محلية أجريت مع سلامة في يوليو 2023، دافع الرجل عن فترة ولايته، زاعما أنه كان "كبش فداء" للأزمة المالية في البلاد، وأن المسؤولية عن إنفاق الأموال العامة "تقع على عاتق الحكومة وليس البنك المركزي"، مشيراً إلى نيته "طي صفحة من حياته"، مؤكداً أن "المنظومة غسلت يديها" منه منذ زمن.