Turkish family desperately searches for missing granddaughter
عائلة تركية ما زالت تبحث عن حفيدتها- تعبيرية

لم تكن شدّة الزلزال، ومداه الزمني، السبب الوحيد الذي ضاعف من عدّاد الضحايا في شمال غرب سوريا وحجم المباني المنهارة والمتصدعة، بل كان هناك عوامل أخرى "غير طبيعية" تختلف في ماهيتها ويجمعها "قاسمٌ مشترك"، بحسب ما قال مهندسون وعمّال إنقاذ لموقع "الحرة".

وكانت الأضرار التي خلّفتها الكارثة في الشمال السوري قد توزعت بين مناطق ومدن تتبع لمحافظة إدلب وأخرى في ريف حلب الشمالي، أبرزها مدينتي حارم وسرمدا، بالإضافة إلى مدينة جنديرس التابعة لعفرين، والأتارب التي تعطي حالتها مثالا على أن الكارثة "لم تكن بسبب واحد، بل تقف ورائها أسباب أخرى".

تقع الأتارب في ريف حلب الغربي، وهي بعيدة إلى حد ما عن "خط الزلزال"، ومع ذلك فقد نالت نسبة كبيرة من الضرر، إذ سجّلت فيها فرق البحث والإنقاذ 235 قتيلا، فيما انتشلت من تحت أنقاض منازلها المنهارة 328 آخرين، في أرقام يعتبرها المسؤول الإغاثي والإنساني، منير مصطفى "كبيرة".

يقول مصطفى وهو نائب مدير "الدفاع المدني السوري" لموقع "الحرة": "هناك إحصائيات تؤكد أن القصف الذي نفذته قوات الأسد على مدى السنوات الماضية كان سببا رئيسيا في تصدّع مئات الأبنية في مناطق الشمال السوري"، مما ضاعف من درجة انهيارها، بعدما حلّت الكارثة، قبل أسبوع.

ويوضح أن "الأتارب أحد الأمثلة التي تندرج حالتها فيما سبق"، إذ كانت قد تعرضت لقصف جوي ومدفعي وصاروخي عنيف طوال السنوات الماضية، مما أدى إلى تضعضع أساسات أبنيتها، في الفترة التي سبقت الزلزال.

وبالإضافة إلى عدد الضحايا المسجلين في هذه المدينة، وثّقت فرق البحث والإنقاذ خلال الأيام الماضية من الكارثة فيها انهيار 14 بناءً بشكل كامل، و50 بناء آخرا، بشكل جزئي.

"سبب أول وأخير"

وتظهر بيانات حصل عليها موقع "الحرة" من فريق "منسقو الاستجابة" في الشمال السوري أن عدد النازحين من المناطق المتضررة في شمال غرب سوريا بلغ حتى الآن 153.893 نسمة (30,796 عائلة)، مع استمرار أعمال الإحصاء.

وفيما يتعلق بالمنازل المدمّرة بشكل كلي تشير البيانات إلى أنها تبلغ 1123 منزلا، مع وجود 3484 منزل آخر قابل للسقوط، بالإضافة إلى تسجيل 13.733 منزلا غير صالح للسكن، فيما ظهرت التصدعات على 9.637 منزلا آخرا.

كما وثّقت البيانات أن عدد الأفراد المتضررين حتى الآن من الزلزال في شمال غرب سوريا بلغ 853,849 نسمة تركز معظمهم في المناطق المنكوبة (حارم، جنديرس، سلقين، أرمناز، عزمارين، الأتارب).

وبعد مرور عشرة أيام باتت جهود فرق البحث والإنقاذ تتحول إلى عمليات انتشال الجثث، بعدما بات الأمل ضئيلا في العثور على أحياء، في خطوة توازى معها توجه الأنظار إلى آلاف المشردين في الشوارع والمخيمات، وفرص عودتهم إلى المنازل المتضررة، التي انقسمت بين منهارة جزئيا وكليا، ومتصدعة بدرجات متفاوتة.

وستكون الأبنية الآيلة للسقوط، المتصدعة بشدة، كارثة جديدة ستزيد من الكارثة الإنسانية الحاصلة، لاسيما أن التكاليف المادية لإعادة البناء وترحيل الأنقاض وهدم المنازل المتصدعة لا يمكن إحصاؤها، فيما بات كثيرون عاجزون عن بدء حياة جديدة من الصفر.

وإلى جانب التداعيات التي فرضها القصف الجوي والبري من جانب النظام السوري على مناطق شمال سوريا خلال السنوات الماضية يرى المهندس المدني، يحيى نعناع أن الأسباب التي ضاعفت من حجم الكارثة تتعلق أيضا بـ"المعايير الهندسية الخاصة بتشييد المباني خلال الفترة الأخيرة".

ويوضع نعناع في حديث لموقع "الحرة": "مع الأسف هناك ضعف في تطبيق هذه المعايير سواء قبل عام 2011 وبعده. بعد الثورة لم تتعاون السلطات المحلية مع نقابة المهندسين، رغم أننا شكلناها من كل الاختصاصات".

النقابات التي تضم عددا من المهندسين لم تدخر أي جهد من أجل إشادة شبكات الصرف الصحي والمياه وكذلك الأبنية بمواصفاتها الدقيقة، ومع ذلك لم يحصل أي تعاون من طرف المنظمات أو من طرف السلطات المحلية، التي يفترض أن تكون المشرفة على تطبيق المعايير اللازمة لحماية الناس".

ويضيف المهندس السوري: "الناس كانت تبني بشكل عشوائي، ولذلك رأينا الانهيارات الكبيرة بعدما حلّت كارثة الزلزال. هناك أبنية طابقية في المنطقة مبنية من بلوك فقط وانهارت بشكل كامل".

وبوجهة نظر نعناع "هناك تقصير من قبل السلطات المحلية فيما يتعلق بتطبيق المعايير الدقيقة والهندسية لتشييد المباني الأرضية أو الطابقية"، بينما يشير إلى أن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد "تعاونا بين السلطات ونقابات المهندسين".

ولم يسفر القصف المتواصل الذي بات حالا شبه يوميا بالنسبة لمناطق شمال غرب سوريا، على مدى السنوات الماضية عن تصدّع أساسات الكثير من الأبنية، بل كان قد دفع مئات الآلاف من العائلات للنزوح من المناطق الجنوبية، بقصد الإقامة على طول الخط الحدودي مع تركيا.

وبينما توزعت هذه العائلات على مخيمات عشوائية ومنظمة، اتجهت أخرى لشراء قطع من الأراضي الزراعية، ومن ثم لتبدأ إنشاء منازل على عجل، دون أن تراعي أي معيار هندسي، لصالح التقليل من الكتلة المالية اللازمة للصرف.

ويعتبر المسؤول في "الدفاع المدني" منير مصطفى أن "الكارثة المضاعفة التي حلّت على شمال سوريا سببها الأول والأخير يرتبط بالنظام بشكل مباشر، من خلال قصفه على مدى 10 سنوات. هذا القصف كان كفيلا لأن يزعزع الكثير من الأبنية في شمال غرب سوريا، ما أدى إلى انهيارها الآن".

وفي حين لم يخف مصطفى السبب المتعلق بعدم تطبيق المعايير الهندسية للكثير من الأبنية، يوضح أن "طبيعة المنازل التي بنيت في مرحلة النزوح القسري سببها أيضا النظام السوري. هو الذي أجبر الكثير من العائلات على الانتقال، والبحث عن أي فرصة لبناء مأوى، دون أن تلتزم بمعايير السلامة".

"السبب الأول هو النظام وقصفه والثاني هو أنه عمل على تهجير الناس، ووضعها في ضائقة، فرضت عليهم بناء الكثير من الأبنية والمنازل على عجل"، وفق ذات المتحدث.

"زلازل فراغية"

وكان مهندسون ضمن نقابات مستقلة شرعوا، قبل أيام، للبدء بعملية تقييم الأبنية المتصدعة، وفرص عودة السكان إليها أو إزالتها بشكل كامل.

وينقسم عمل هؤلاء في ريف حلب الشمالي وفي محافظة إدلب، ويرافقهم عناصر من "الدفاع المدني السوري"، الذين استجابو خلال الأيام الماضية لعمليات إخلاء المصابين والبحث عن ناجين تحت الأنقاض. 

وتختلف المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة في سوريا عن باقي المناطق المتضررة إثر الزلزال سواء داخل حدود البلاد أو خارجها أي في تركيا من زاوية غياب "هيكل الدولة"، وهو الأمر الذي يشكّل صعوبات في عملية معالجة المنكوبين.

علاوة على ذلك، هناك مخاطر وصعوبات تتعلق بعودة الناس إلى منازلهم المتضررة، رغم التحذيرات بعدم الدخول إليها، إلا بعد عملية التقييم.

ولا تقتصر الكارثة التي حلّت على سوريا على مناطق شمال سوريا بل ضربت تداعياتها أيضا مدنا خاضعة لسيطرة النظام السوري، أبرزها مدينة حلب، والتي نالت النصيب الأكبر من الأضرار، في وقت كانت قد شهدت على مدى سنوات عمليات عسكرية استخدم فيها النظام السوري وحلفائه شتى أنواع الأسلحة.

ويقول المهندس السوري نعناع إن "الصواريخ الارتجاجية والفراغية التي استخدمت خلال العمليات العسكرية أدت إلى تضرر الكثير من العناصر الإنشائية للمباني".

وذلك ما ينسحب على أحياء حلب الشرقية والأرياف الغربية والشمالية للمدينة، من بينها اعزاز، الخاضعة لسيطرة فصائل "الجيش الوطني السوري"، المدعوم تركيا.

ويضيف المهندس السوري أن "مدن إدلب وحلب وأريافهما تعرضت لقصف من الطيران التابع للنظام السوري لسنوات طويلة. الضربات كانت تستهدف كل شيء، بينما خلّفت الصواريخ الفراغية تصدعات وانهيارات مسبقة وتسرب في شبكات الصرف الصحي".

"تضرر الأبنية نتيحة القصف كان واضحا لنا في السنوات السابقة. في الوقت الحالي نرى أن ما عجزت عنه الصواريخ تم تدميره بفعل الزلزال".

ومع ذلك يشير نعناع إلى أبنية كانت قد شيدتها منظمات إنسانية في شمال سوريا "بشكل سيء"، لافتا من جانب آخر إلى حالة شهدها في مدينة صوران في ريف حلب.

وبينما كان يحصي الأضرار خلال الأيام الماضية في تلك المدينة وبرفقة مهندسين تفاجأ بـ"بمبنى لم أشاهده طوال مسيرتي المهنية والعلمية. رأيت رطوبة هائلة في أساساته الضعيفة بالأساس. لا مواد صالحة وجيدة مستخدمة في تشييده. استغربت أنه لم ينهار".

المزيد من المقالات

مواضيع ذات صلة:

توزيع المعونات الغذائية على المحتاجين في بيروت
برنامج الأغذية العالمي قام بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة

في أحد أزقة طرابلس شمالي لبنان، يخوض عباس يومياً معركة بحث مرهقة عن لقمة عيش تكفي لسد رمق عائلته الصغيرة، ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تضرب البلاد، أصبح تأمين الطعام كابوساً يلاحق الوالد لطفلين، الذي يصارع كل يوم لبقائهما على قيد الحياة بعيداً عن براثن الجوع.

"حتى الدجاج المشوي، الذي لم يكن يعد يوماً وجبة فاخرة، أصبح الآن حلماً"، يقول عباس بغصة، ويضيف: "الأسبوع الماضي، طلبت طفلتي تناوله ولم أكن أملك المال لتحقيق أمنيتها، وعندما أخبرت جاري بالأمر سارع واشترى لها نصف دجاجة".

أما السمك، فلم يدخل منزل عباس منذ سنوات، وطفلاه لا يعرفان طعمه. ويقول لموقع "الحرة": "حتى الشوكولاتة، التي تعتبر من الأشياء البسيطة في حياة الأطفال، أعجز عن شرائها لصغيريّ".

يشير التحليل الذي أجراه برنامج الأغذية العالمي ضمن التصنيف المرحلي للأمن الغذائي، إلى زيادة مقلقة في نسبة السكان الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في لبنان.

وحسب التصنيف المرحلي المحدث، من المتوقع أن ترتفع هذه النسبة من 19 بالمئة في الفترة ما بين أكتوبر 2023 ومارس 2024، إلى 23 بالمئة في الفترة ما بين أبريل وسبتمبر 2024.

وكان تقرير للبنك الدولي، أفاد بأن الفقر في لبنان تضاعف أكثر من 3 أضعاف خلال العقد الماضي، ليصل إلى 44 في المئة من السكان.

أزمة تعصف بمئات الآلاف  

يعيش عباس حياة مليئة بالمعاناة، إذ يعمل في فرن مقابل 10 دولارات يومياً، لكن حالته الصحية تعوق قدرته على العمل بانتظام. ويقول: "أعيش في خوف دائم على صحة طفليّ اللذين لا يتناولان سوى الحبوب، فحتى الخضراوات والفواكه أصبح ثمنها باهظاً، فكيف إذاً باللحوم والألبان والأجبان".

تزداد الأمور سوءاً مع انقطاع الكهرباء وعدم قدرة عباس على الاشتراك في مولد كهربائي خاص، ويشير إلى أن جاره أشفق عليه، فمد له سلكاً كهربائياً من الطاقة الشمسية الخاصة بمنزله، لتشغيل لمبة واحدة علّها تخفف عن العائلة عتمة الأيام.

يتمنى عباس الموت عدة مرات خلال حديثه، ويشدد: "ربما الرحيل عن هذه الأرض أفضل من أن أرى طفليّ محرومين من أبسط احتياجاتهما. أحلم بأيام أفضل لهما، أريد أن أراهما يضحكان ويلعبان كأي أطفال آخرين، لكن الواقع المرير يجعلني أشعر بالعجز واليأس".

من جانبه، يعرب رئيس اتحاد روابط مخاتير عكار، مختار بلدة ببنين، زاهر الكسار، عن بالغ قلقه إزاء تفاقم أزمة الفقر في لبنان، مشيراً إلى أن التدهور الاقتصادي الحاد الذي أدى إلى فقدان عدد كبير من المواطنين لوظائفهم أو لمدخراتهم في المصارف إضافة إلى تآكل قيمة الرواتب نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار، دفع العديد من العائلات إلى حافة الهاوية، حيث باتت تعتمد على التسول لتأمين أبسط مقومات الحياة، مثل المأكل والمشرب والأدوية والإيجارات.

يتواصل عدد كبير من المواطنين يومياً مع الكسار، طالبين مساعدة مالية أو عينية. ويشدد في حديثه لموقع "الحرة" على أن "العديد منهم يعجزون عن توفير وجبات غذائية كافية لأسرهم، وإن كانت من الخضراوات والفاكهة، أو عن دفع رسوم التسجيل المدرسية الجديدة في المدارس الرسمية، التي تبلغ حوالي 50 دولاراً، حيث تعتبر عبئاً كبيراً عليهم".

وفيما يتعلق بأسعار الفواكه والخضراوات، يوضّح رئيس تجمع الفلاحين والمزارعين في البقاع، إبراهيم الترشيشي، لموقع "الحرة" أن "الأسواق تشهد توفر جميع أنواعها بأسعار مستقرة بشكل عام، إلا أن أسعار العنب والبطاطس تعتبر استثناء، حيث ارتفعت بسبب عوامل عالمية مثل زيادة الطلب على العنب ونقص الإنتاج العالمي للبطاطس".

لكن ما هو مؤكد.. أن لبنان يشهد تزايداً حاداً في أزمة انعدام الأمن الغذائي، كما يقول الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، خالد أبو شقرا، مضيفا: "يؤثر ذلك بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع اللبناني، التي تشمل وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي، اللبنانيين، والنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، والقادمين من سوريا".

5 مراحل

ويعتمد تصنيف الأمن الغذائي لبرنامج الأغذية العالمي على مؤشر يقسّم السكان ضمن 5 مراحل، كما يشرح أبو شقرا لموقع "الحرة"، "بدءاً من مرحلة الإجهاد، حيث يعاني الأفراد من صعوبات في تأمين الغذاء، وصولاً إلى المرحلتين المتأزمة والطوارئ".

ويشدد على أن لبنان لم يصل بعد إلى مرحلة الطوارئ الكارثية، "لكن الزيادة الملحوظة في عدد الأشخاص الذين يعيشون في مراحل انعدام الأمن الغذائي المتقدمة تدل على تفاقم الأزمة".

وتتركز أزمة انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير في المرحلتين الثالثة والرابعة، وفق أبو شقرا، "حيث سيعاني حوالي 41,000 لبناني من سوء التغذية الحاد في المرحلة الرابعة بين أبريل وسبتمبر 2024، بينما تضم المرحلة الثالثة، وهي المرحلة المتأزمة، العدد الأكبر من المتضررين، الذي سيبلغ 642,000 شخص وفق تقرير برنامج الأغذية العالمي".

وما زاد الطين بلّة، أنه "بسبب نقص التمويل ونتائج إعادة الاستهداف، قام برنامج الأغذية العالمي بتخفيض عدد الأشخاص الذين يتلقون المساعدة بنسبة 39 بالمئة اعتباراً من يونيو 2024 مقارنة بعام 2023. وفي النصف الأول من عام 2024، شهد عدد المستفيدين من المساعدات انخفاضاً مماثلاً بنسبة 39 بالمئة مقارنة بالعام 2023" كما ذكر البرنامج في تقريره.

كواليس الكارثة

تفاقمت كارثة انعدام الأمن الغذائي في لبنان بسبب مجموعة من العوامل، أبرزها كما يشرح أبو شقرا "استمرار الصراع المسلح على جبهة جنوب لبنان، الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة من السكان من المناطق الحدودية، حيث يضطر النازحون إلى ترك مصادر رزقهم مثل الزراعة وتربية المواشي والأعمال التجارية الصغيرة، مما يزيد من معدلات الفقر والبطالة. وتشير التقديرات إلى أن عدد النازحين قد يرتفع من 100,000 إلى 140,000 شخص، مما سيعمق الأزمة الإنسانية".

أما السبب الثاني، فيكمن كما يقول أبو شقرا، في "ارتفاع الأسعار بشكل ملحوظ، حيث تشير البيانات الرسمية الصادرة عن مركز الإحصاء المركزي إلى ارتفاع مؤشر الأسعار بنسبة 35 بالمئة بين يوليو 2023 ويوليو 2024، أي بمعنى آخر، ارتفعت تكلفة المعيشة بشكل كبير خلال هذه الفترة".

من جهة أخرى،" تؤكد دراسات جمعية حماية المستهلك على استمرار هذا الارتفاع، لاسيما في السلع الأساسية، بنسبة 8 بالمئة خلال الربع الثاني من العام 2024، مشيرة إلى ارتفاعات أكبر في قطاعات محددة مثل النقل (30%) والخضار (15%) والمستلزمات المنزلية (20%)".

هذا الارتفاع المتسارع في الأسعار، رغم استقرار سعر الصرف، يؤدي "إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين ويزيد من حدة الأزمة المعيشية، لاسيما فيما يتعلق بالأمن الغذائي".

يضاف إلى ذلك، حسب أبو شقرا، "تراجع الدعم الاجتماعي، حيث تواجه البرامج الاجتماعية في لبنان صعوبات، مما زاد من معاناة الأسر الأكثر فقراً، فعلى سبيل المثال توقف برنامج الدعم الوطني للأسر الأكثر فقراً، الذي يعتبر شريان حياة للعديد من العائلات اللبنانية، بعد نفاد التمويل المخصص له. ورغم موافقة المجلس النيابي اللبناني على تخصيص تمويل جديد،فإن الخلافات حول كيفية إدارة هذا التمويل أدت إلى تعليق البرنامج".

وكان برنامج الدعم الوطني، يعتمد في المرحلة الأولى، كما يشرح الباحث في المعهد اللبناني لدراسات السوق، "على قرض من البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، الذي استنفد أواخر عام 2023. وبعد موافقة المجلس النيابي على قرض ثانٍ بقيمة 300 مليون دولار، كان من المتوقع أن يستفيد منه حوالي 150 ألف أسرة".

ومع ذلك، "تعثر تنفيذ القرض الثاني بسبب خلاف حول آلية توزيع المساعدات. فبينما اشترط مجلس النواب أن يكون مجلس الوزراء مسؤولاً عن إدارة هذا التمويل، رفض البنك الدولي ذلك. هذا الخلاف أدى إلى تعليق صرف الأموال منذ عدة أشهر، مما زاد من معاناة الأسر الفقيرة وحرمها من الدعم الذي تحتاجه لتلبية احتياجاتها الأساسية".

علاوة على ذلك، "تراجعت المنظمات الدولية مثل مفوضية شؤون اللاجئين واليونيسيف وبرنامج الأغذية العالمي في تقديماتها الغذائية والنقدية"، حسب أبو شقرا.

وفي السياق "الميكرو اقتصادي"، يعاني الاقتصاد اللبناني وفق ما يقوله أبو شقرا "من صعوبات في تحقيق النمو بسبب تراجع السياحة وتقلص النشاطات الاقتصادية نتيجة المعارك الدائرة على الحدود، مما أدى إلى تقليص معدلات النمو المتوقعة وارتفاع عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر".

أما برنامج الأغذية العالمي فيشير إلى أن لبنان يواصل في عام 2024 مواجهة أزمة اجتماعية واقتصادية وسياسية، بما في ذلك الفراغ الرئاسي المطول وتصاعد التوترات على طول حدوده الجنوبية منذ أكتوبر 2023.  

ويشرح البرنامج في تقريره أن "الاشتباكات المستمرة على الحدود الجنوبية أدت إلى نزوح أكثر من 97 ألف شخص، مما زاد من هشاشة الأسر. وتؤدي الصعوبات الاقتصادية، وفقدان الوظائف، وخفض المساعدات الإنسانية، وعدم الاستقرار السياسي، إلى تفاقم التوترات بين المجتمعات المضيفة واللاجئين".

تداعيات خطيرة

يعد نقص الغذاء الكافي "مشكلة تتجاوز مجرد الشعور بالجوع، فهو يمثل تهديداً مباشراً للصحة العامة"، وفقاً لما تؤكده أخصائية التغذية ودكتورة الصحة العامة، ميرنا الفتى.  

وتشير الفتى في حديث لموقع "الحرة"، إلى أن "عدم الحصول على نظام غذائي متوازن وغني بالعناصر الغذائية الأساسية يؤدي إلى اضطراب في وظائف الجسم، مما يزيد من خطر الإصابة بالأمراض المرتبطة بسوء التغذية".

وتشدد على أن "تناول الحبوب وحدها قد يوفر كمية من البروتينات، لكنه لا يغطي جميع الأنواع الضرورية منها، ما قد يتسبب في مشاكل هضمية مثل اضطرابات القولون وصعوبة الهضم، وربما يؤدي إلى عفونة في المعدة."

وفيما يتعلق بتأثير نقص الغذاء على الأطفال، تحذر الفتى من أن "سوء التغذية يعرضهم لخطر التأخر في النمو البدني والعقلي، وضعف جهاز المناعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للأمراض المعدية",

وتضيف: "على المدى الطويل، يؤدي سوء التغذية إلى التقزم، وهي حالة لا يصل فيها الأطفال إلى الطول المناسب لعمرهم، إضافة إلى تأثيره على التركيز والأداء الأكاديمي الذي يؤثر بدوره على مستقبلهم المهني والاجتماعي".

تأثير سوء التغذية لا يقتصر على الأطفال فحسب، بل يمتد ليشمل البالغين أيضاً، إذ تقول الفتى إن "الأشخاص الذين يعانون من سوء التغذية يكونون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة مثل السكري وأمراض القلب، وتقل قدرتهم على الحركة، بالإضافة إلى ذلك، يتأثر الجانب النفسي أيضاً، حيث يعاني من يعيشون في ظل انعدام الأمن الغذائي من الإجهاد النفسي والقلق والاكتئاب".  

لذلك تؤكد على ضرورة "توفير الغذاء المتوازن والمتكامل لجميع الفئات العمرية لتجنب المخاطر الصحية المرتبطة بسوء التغذية".

ويلقي الكسار باللائمة على السلطة السياسية في لبنان لما آلت إليه أوضاع المواطنين، مشيراً إلى أنه "لا يمكن الاعتماد فقط على جهود المخاتير والمجتمع المدني والبلديات في مساعدة الفقراء، ولا على أموال المغتربين التي تدعم عدداً كبيراً من العائلات".

ووفقاً لتقديرات البنك الدولي، فقد بلغت تحويلات المغتربين إلى لبنان نحو 6 مليارات دولار أميركي في عام 2023، ليحتل لبنان بذلك المركز الثالث إقليمياً بعد مصر (19.5 مليار دولار) والمغرب (11.8 مليار دولار).

ويطالب الكسار الحكومة اللبنانية بـ"تحمل مسؤولياتها واتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ المواطنين من الحالة المأساوية التي يعيشونها"، مشدداً على ضرورة معالجة أسباب الفقر من خلال "التفاوض مع المؤسسات الدولية لتأمين قروض ومساعدات، وزيادة الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية، وتوسيع شبكات الأمان الاجتماعي".