FILE PHOTO: Trucks carrying aid from UN  World Food Programme (WFP) are parked at Bab al-Hawa crossing
قافلة مساعدات من الأمم المتحدة عبر باب الهوى إلى الشمال السوري- تعبيرية

بعد 18 يوما على الزلزال المدمر الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا وخلف عشرات آلاف القتلى ومئات آلاف الجرحى، لا تزال "الأموال الطائلة والمساعدات غير المسبوقة" تتدفق على سوريا، ولكن "جشع وطمع الكثيرين يحول دون وصولها بشكل كامل إلى متضرري الزلزال على اختلاف مناطق السيطرة"، وفقا لما ذكره المرصد السوري لحقوق الإنسان، الجمعة.

وقال إن "المساعدات الإنسانية لا تزال تتدفق من كل حدب وصوب، ومن المفترض أن تكون لإغاثة منكوبي الزلزال، سواء بمناطق النظام أو المعارضة، إلا أن لضعاف النفوس والأشخاص الذين يمتهنون الجشع كوسيلة للعيش رأي آخر".

ويؤكد نشطاء المرصد أن "الوضع لا يزال كارثيا لمنكوبي الزلزال على الرغم من الكم الهائل للمساعدات المالية والعينية".

وتلفت المصادر إلى أن "المساعدات التي وصلت لم تشهدها الأراضي السورية سابقا، سواء المساعدات المالية المرسلة أو المساعدات الإغاثية، وبشكل قطعي تكفي وتزيد لإغاثة منكوبي الزلزال، إلا أن الواقع على الأرض مغاير كليا".

مناطق المعارضة

وتضيف أنه في مناطق المعارضة "يقوم قسم من ضعاف النفوس الذين لم يتضرروا إطلاقا من الزلزال بالتنقل من مخيم إلى آخر ومن منطقة إلى أخرى للحصول على مساعدات مرة ومرتين وثلاث مرات".

وتتابع "ذات الشيء ينطبق على الأموال التي ترسل لأشخاص من الخارج لكي يوزعوها على متضرري الزلزال، إلا أن أصحاب النفوس السيئة يحولون دون ذلك، ليسرقوا المبالغ ويوزعوا قسم قليل منها، كما يتهم بعض الأهالي هيئة تحرير الشام بفرض نسبة معينة لقاء دخول القوافل إلى إدلب".

ويشير المرصد إلى أن "الكثير من الأشخاص القاطنين في أطمة وجنديرس، ذهبوا للمخيمات وسجلوا أنفسهم على أنهم متضررين لأخذ المساعدات، بسبب الجشع والطمع".

ومن جانب آخر "استغل ضعاف النفوس حالة التشرد التي حدثت بفعل الزلزال ورفعوا أسعار إيجار البيوت من 100 دولار أميركي إلى 125 و150 و200 في إدلب".

مناطق النظام

ويقول المرصد إن الأمر نفسه "ينطبق تماما على مناطق نفوذ النظام، فطائرات المساعدات لا تتوقف والقوافل الإغاثية كذلك الأمر، فضلا عن المساعدات المالية المرسلة من الخارج إلى الداخل، لكن دائما ضعاف النفوس هم من يتصدرون القائمة".

وأضاف أن "السبب الرئيسي بذلك هو العشوائية بالتوزيع وعدم وجود جهات معنية تكون مسؤولة بشكل كامل عن المتضررين من الزلزال وضمان وصول المساعدات لهم، ليبقى المتضرر من الفاجعة بحالة ذهول تام، فهو لم يصحو بعد من كارثة فقدان ذويه وأحبائه وخسارة ما يملك من أموال، ليصدم بسرقة مساعدات خُصصت له من قبل ضعاف النفوس".

مواضيع ذات صلة:

Syrian artist Salam Hamed's daughter Sima, sits on rubble of damaged buildings in the rebel-held town of Jandaris
كارثة الزلزال خلفت عشرات آلاف الضحايا ومئات آلاف المنكوبين والمشردين في تركيا وسوريا

قبل الزلزال المدمر كان أمل الآلاف من مرضى السرطان في شمال سوريا معلّقٌ بـ"جرعة يتلقونها خارج الحدود"، وبينما كانوا يعبرون أسبوعيا عبر الشريان الوحيد (معبر باب الهوى) قاصدين المشافي التركية، جاءت الكارثة لتقطع "الأمل الوحيد" وتقلص عامل الزمن ومراحل الصراع مع الأيام، للبقاء على قيد الحياة.

منذ يوم السادس من شهر فبراير الماضي – أي تاريخ حلول الزلزال في سوريا وتركيا- توقفت عمليات إحالة هؤلاء المرضى إلى المشافي التركية لتلقي العلاج بالجرعات الكيماوية والعلاج الإشعاعي، بعدما كان هذا المسار معمولا به منذ سنوات طويلة من خلال "باب الهوى".

وعلى مدى الأيام الماضية اقتصر العبور من خلال هذا المعبر الحدودي، الذي يصل تركيا بمناطق شمال غرب سوريا، على دخول المساعدات الإنسانية وجثث الضحايا السوريين الذين قضوا في ولايات تركية متفرقة، بالإضافة إلى من يرغب من المنكوبين "قضاء إجازة في الوطن".

ورغم وجود مشافٍ ونقاط طبية في مناطق الشمال السوري، إلا أنها غير قادرة على تقديم العلاج للآلاف من مرضى السرطان، وبينما تقتصر الإمكانيات على إعطاء الجرعات الكيماوية وبشكل محدود لقسم منهم في مشفى "إدلب المركزي" (مشفى المحافظة)، تنعدم الخيارات فيما يتعلق بالعلاج المناعي والإشعاعي.

ويوضح مدير مركز التنسيق الطبي في "باب الهوى" الطبيب بشير إسماعيل أن جميع إحالات الحالات الإسعافية والباردة إلى المشافي التركية توقفت منذ لحظة حلول الزلزال، وأنه "لم تدخل أي حالة طبية إلى تركيا في أعقاب الكارثة، سوى الطفلة شام التي كانت مصابة بمتلازمة الهرس".

وبشكل شهري وقبل الزلزال كان المعبر الحدودي يشهد تحويل 300 حالة إسعافية إلى المشافي التركية، معظمها خاصة بالأطفال والولادات الحديثة (الخدّج)، إلى جانب 450 من الحالات الباردة، معظمها من الجراحات القلبية ومرضى السرطان.

ويقول إسماعيل لموقع "الحرة": "بعد إغلاق المعبر وتوقف نظام الإحالات إلى المشافي التركية تضرر عدد كبير من المرضى، وخاصة المصابين بالأورام الخبيثة". مشيرا إلى أن "العامل الزمني مهم لعلاجهم".

وتشير إحصائيات خاصة بعام 2022 إلى وجود 1264 حالة مرضية بالأورام الخبيثة كانت تعبر لتلقي العلاج في الداخل التركي، وبشكل شهري سجلت الجهات الطبية هناك عبور 150 مريض من "باب الهوى" للحصول على الجرعات والخضوع للخدمات الإشعاعية.

ينقسم علاج مرضى السرطان إلى ثلاث مراحل، وفق الطبيب إسماعيل، الأولى بالجرعات الكيماوية، إلى جانب العلاج المناعي والإشعاعي.

ويشرح أنه "يمكن تأمين العلاج الكيماوي معظم الجرعات إذا توفر الدعم المادي لغالبية أنواع السرطانات، بينما يحتاج عدد كبير من المرضى علاجا مناعيا تتطلب مراحله أدوية غالية الثمن".

في غضون ذلك تفتقد مشافي الشمال السوري لجهاز الأشعة، وفي حال تم تأمينه في المرحلة المقبلة لن تحل المشكلة، حيث تعاني المنطقة من انعدام الأطباء الاختصاصيين، بينما يشير الطبيب السوري إلى أن "تأمين الجهاز يحتاج لتكلفة مادية كبيرة جدا، ومع ذلك وبسبب فقدان الأخصائيين للعمل عليه يمكن الاستعانة بأطباء سوريين وأتراك في الداخل التركي".

"أنقذوهم"

وكانت كارثة الزلزال المدمر قد خلفت خلال الأيام الماضية، سواء في تركيا أو سوريا، عشرات آلاف الضحايا ومئات آلاف المنكوبين والمشردين، فضلا عن آلاف المصابين في المشافي، في وقت بات القطاع الطبي مرهقا ويواجه تحديات في كلا البلدين.

وعلى اعتبار أن عبور حالات الأمراض المزمنة التي كانت تعبر من شمال سوريا إلى تركيا لتلقي العلاج في المشافي هناك لم تكن مقتصرة على مصابي السرطان، إلا أنهم الفئة الأكثر ضعفا، نظرا لندرة الأدوية وحساسية العلاجات التي يحتاجونها ضمن آلية يحكمها الزمن، دون أي تأخير.

ويستعد أطباء وناشطون في القطاع الطبي في شمال سوريا خلال الأيام المقبلة إطلاق حملة تحت عنوان "أنقذوهم"، في مسعى لمحاولة تأمين جرعات كيماوية، والحصول على تبرعات مالية يحتاجها المصابون، فضلا عن تأمين أجهزة طبية لا تتوفر في الوقت الحالي ضمن المراكز الطبية.

ويقول الطبيب السوري زهير القراط مدير "صحة محافظة إدلب" إنه لا حلول متاحة حتى الآن بخصوص علاج مرضى السرطان، بسبب "إغلاق معبر باب الهوى أمام الإحالات الطبية، وإعادة مرضى آخرين من مشفى هاتاي إلى سوريا خلال الأيام الماضية".

يضيف القراط لموقع "الحرة": "الاحتياج كبير. هناك أطباء في الشمال السوري لكن تكلفة الجرعات كبيرة جدا، عدا عن وجود مرضى يحتاجون علاجا إشعاعيا، وهو ما لا يتوفر"، وأشار إلى تشخيص مرضى جدد بالسرطان في المنطقة، ليزيد عددهم مع المرضى القدماء.

ووفق وزير الصحة في "الحكومة السورية المؤقتة" التابعة للمعارضة، الطبيب مرام الشيخ فإن "أحد أبرز المشاكل التي يواجهونها بعد كارثة الزلزال هي حال مرضى السرطان والأوعية الإكليلية والقصور الكلوي".

ويوضح الشيخ لموقع "الحرة": "رغم وجود مراكز تتيح إعطاء الجرعات الكيماوية في الشمال السوري، إلا أن العلاج بالأشعة غير متوفر، بسبب غياب الأجهزة والاختصاصيين".

"هناك تراكم لعدد كبير من مرضى السرطان في المنطقة، وتأخر آلية دخولهم تسفر عن مشاكل كبيرة بالنسبة لقطاعنا الصحي"، بينما يشير الشيخ إلى أنهم يتواصلون مع الجانب التركي "لإعادة تفعيل إحالات بعض المرضى الذين يحتاجون لعلاج كيماوي وشعاعي".

"ثلاثة أطباء في كل الشمال"

وتعتبر الأراضي التركية المتنفس الوحيد أمام المرضى السوريين في شمال سوريا وغربها، وعدا عن كون القطاع الطبي في هذه المنطقة يعاني الآن من مشاكل خلفها الزلزال، سبق وأن دخل في عقبات مشابهة لم ينته منها حتى الآن، في مقدمتها التفشي المستمر لمرض "الكوليرا".

وفي أولى زياراته إلى الشمال السوري عقب الكارثة، دعا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، الأربعاء، المجتمع الدولي إلى تقديم الدعم للسكان المتضررين.

ووصل غيبرييسوس الى محافظة إدلب آتيا من تركيا المجاورة، وزار ثلاثة مستشفيات في مناطق باب الهوى وعقربات وسرمدا، كما تفقدّ مركز إيواء للمتضررين من الزلزال في بلدة كفرلوسين.

وقال خلال مؤتمر صحافي: "يحتاج السكان في شمال غرب سوريا إلى مساعدة المجتمع الدولي للتعافي وإعادة البناء"، داعيا "المجتمع الدولي والحكومات" إلى بذل أقصى الجهود من أجل مساعدة "أولئك الذين يعانون من خسارة لا يمكن تصوّرها ومن الفقر والحرمان".

وفي تلك المنطقة، التي يتجاوز عدد سكانها أكثر من 4 ملايين نسمة توجد مشاف عدة، بالإضافة إلى نقاط طبية ومراكز إسعافية، يعمل معظمها من خلال الدعم المقدم من قبل منظمات أوروبية (مانحون)، بموجب عقود، جزء منها لستة أشهر وآخر لمدة عام كامل، يتجدد سنويا.

وتعتبر "الجمعية الطبية السورية-الأميركية" (سامز) إحدى أبرز المنظمات المعنية بدعم القطاع الطبي، من مشافٍ ومراكز طبية، بينما تنتشر كوادرها في عموم مناطق الشمال السوري. 

وكانت الجمعية قد أدخلت في الأيام الأولى من كارثة الزلزال عددا من الأطباء السوريين القادمين من الولايات المتحدة، بعدما اتضح الحجم الكبير للمصابين، والذين يتطلبون دخلا علاجيا فوريا.

ويقول كبير المستشارين في "سامز" الطبيب عبدالرحمن العمر إن إغلاق الحدود في وجه الإحالات الطبية الخاصة بمرضى السرطان "أسفر عن عبء كبير على المشافي والمراكز"، ما اضطرهم إلى إطلاق مركز رابع في مشفى "باب الهوى"، معني بتقديم الجرعات الكيماوية.

ويتبع للجمعية الطبية السورية – الأميركية مركز رئيسي لمرضى السرطان في مشفى المحافظة بإدلب، ومركزين آخرين في جرابلس والباب بريف حلب الشمالي.

ومع ذلك يضيف الطبيب السوري لموقع "الحرة" أنهم يواجهون معوقات في الوقت الحالي، ترتبط بصعوبة تأمين أدوية العلاج بالكيماوي، موضحا: "في السابق كنا نعتمد على شرائها من تركيا، لكن الآن هناك صعوبات من حيث التوفر واللوجستيات وعملية النقل".

وترتبط معوقات أخرى بندرة الأطباء المختصين بالأورام، إذ يقتصر عددهم على 3 في كل الشمال الغربي لسوريا، بينما لا يوجد أخصائيين بأجهزة الأشعة "غير الموجودة في المنطقة بالأصل".

ويتابع العمر: "الشمال الغربي لسوريا يفتقد لخدمة العلاج بالأشعة، بسبب عدم توفر خدمة المسرع الخطي والجهاز، إضافة إلى عدم توفر الأخصائي وهو الأهم. حتى لو تم توفير الجهاز لا يوجد أي أخصائي أو كادر يمكن تدريبه. العلاج بالأشعة اختصاص قائم بحد ذاته ومدته أربع سنوات".