تواجه النساء بعد وقوع الكارثة تهميشاً وإهمالاً وتمييزاً يفاقم من معاناتهن- تعبيرية
تواجه النساء بعد وقوع الكارثة تهميشاً وإهمالاً وتمييزاً يفاقم من معاناتهن- تعبيرية

لم توفر أضرار الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا وشمال سوريا في السادس من فبراير الماضي، أي فئة أو نوع اجتماعي أو جنسية من بين سكان المناطق المتضررة، لكن وعلى الرغم من ذلك، تكشف الكارثة مرة جديدة عن تفرد النساء بمعاناة خاصة، تؤكد مجدداً على أنهن الأكثر تأثراً وتضرراً عند وقوع الكوارث الطبيعية والزلازل، بكونهن من الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة في المجتمع. 

وتتزايد وتيرة التقارير الدولية والمحلية التي ترصد معاناة النساء السوريات والتركيات بسبب الزلزال، لاسيما ما يواجهنه بعد وقوع الكارثة من تهميش واهمال وتمييز يفاقم من معاناتهن، ويجعلهن عرضة لمشاكل وتحديات من نوع آخر تهدد سلامتهن وحياتهن، وقد لا تقل خطورة عن الزلزال أو الكارثة نفسها. 

أمهات في وضع حرج

وفي آخر تحديث للأرقام، أفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، بأن وضع 356 ألف امرأة حامل في المناطق المتضررة من الزلزال لا يزال حرجاً، وذلك بعد شهر على وقوعه، لا سيما النساء اللواتي من المتوقع أن يلدن في الأسابيع المقبلة، ويقدر عددهن بنحو 39 ألف امرأة. 

وأكد الصندوق أن مئات المستشفيات والعيادات، إما تضررت أو دمرت، فيما تعيش آلاف النساء والفتيات في مخيمات مؤقتة مزدحمة، ويتعرضن لدرجات حرارة متجمدة.

وسبق لمنظمة "أكشن إيد" أن أعلنت في بيان "أن النساء والفتيات من بين أكثر المتضررين من الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا وأن وضع النساء والفتيات والمجتمعات المهمشة في أعقاب هذا الزلزال أصبح مقلقاً بشكل متزايد". 

 

وأبدت المنظمة خشيتها على سلامة المشردين في الشوارع، معربة عن قلقها لعدم وجود دعم خاص بالنساء والفتيات في فترة الحيض أو الحوامل أو الأمهات المرضعات اللواتي لديهن احتياجات خاصة. 

الجدير بالذكر أن النسبة الأكبر من النساء اللواتي يعشن في المناطق المتضررة من الزلزال، سبق أن عانين من أوضاع اقتصادية وأمنية هشة نتيجة الحرب في سوريا والنزوح فيها أو اللجوء إلى تركيا، وهو ما ترك مئات الآلاف من النساء بحاجة للمساعدات الإنسانية، ليأتي الزلزال ويضاعف تلك الحاجات.

وفي هذا السياق وصفت المديرة الإقليمية لمنظمة "أكشن إيد" رشا نصر الدين الوضع بـ "المروع" وأضافت "نحن نعلم أن النساء والفتيات غالباً ما يعانين أكثر من غيرهن أثناء حالات الطوارئ الإنسانية، ويزداد العنف ضدهن وهن أكثر عرضة لخطر الاستغلال".

ولفتت إلى أن "امكانية الوصول إلى الخدمات مثل المستشفيات محدودة للغاية، وبالتالي فإن النساء الحوامل معرضات لخطر حدوث مضاعفات إذا لم يستطعن الحصول على الرعاية الطبية اللازمة، كما سوف تضطرّ النساء في فترة الحيض أيضاً إلى إدارة دوراتهن الشهرية بدون المنتجات المناسبة وبخصوصية قليلة جداً".

ويعتبر نقص دورات المياه وأماكن الاستحمام والحمامات الخاصة إضافة إلى المستلزمات الخاصة بالدورة الشهرية والحوامل من أبرز ما تعانيه النساء اللواتي فقدن منازلهن بسبب الزلزال، لاسيما وأن نسبة كبيرة منهن يتوزعن على مخيمات اللجوء ومراكز الإيواء التي تشهد ازدحاماً شديداً. 

"غير مؤهلات للنجاة"

في هذا السياق تلفت مستشارة النوع الاجتماعي في منظمة "أوكسفام"، هديل قزاز، إلى أن الاستجابات الإنسانية للكوارث كالزلازل، "غالباً ما تغيب النساء تماماً، ولا تعرف ما هي احتياجاتهن، إذ يجري التركيز على الأكل والشرب دون التركيز مثلاً على حاجة النساء الملحة لفوط صحية، أو ثياب داخلية، أو حليب أطفال، وتقريباً غالب الاستجابات الإنسانية في وقت الكوارث تكون عمياء عن احتياجات المرأة".

وتضيف "لدينا اليوم زملاء في الميدان يجرون تحليلات جندرية للآثار والتداعيات المترتبة على النساء جراء كارثة الزلزال، تظهر أن هناك نسبة كبيرة من النساء غير محضرات او مجهزات للتداعيات، وليس لديهن حتى اطلاع سابق على إجراءات السلامة العامة والوقاية خلال الزلازل، ليس لديهن اطلاع بأساليب النجاة والتصرف خلال وما بعد الكارثة، كذلك إمكانيات النجاة غير متوفرة وبالتالي هذا النوع من الكوارث في منطقة كمنطقة الشرق الأوسط تشل النساء حرفياً".

 

وتلفت قزاز في حديثها لموقع "الحرة" إلى أمور صادمة ولكنها متوقعة في الوقت نفسه، "كنساء مثلاً كن يرفضن الخروج من تحت الأنقاض دون غطاء للرأس، وهذا بسبب تحكم الموروث الثقافي القوي جدا الذي يدفع النساء للتصرف بهذه الطريقة على حساب سلامتهن وحياتهن".

اعتداءات منذ اللحظة الأولى

وتكشف قزاز عن تسجيل حوادث تحرش جنسي واعتداءات بحق النساء في الأماكن المتضررة من الزلزال، "منذ اليوم الأول للزلزال، وصلتنا استغاثات من تحت المطر والبرد ومن بين المدن المدمرة وفيما الناس المشردة، لنساء يتعرضن للإساءات والتحرش والاعتداء، حصلت أمور لم يتم التحقيق بها حتى حيث اختفى أطفال وحصل استغلال لنساء وتزويج لقاصرات واستثمار في النساء، وهذا أمر يلحظ في مختلف الكوارث والحروب".

هذا اللنوع من التجاوزات بحق النساء سبق أن سجلته تقارير دولية في حالات كوارث مماثلة كزلزال هايتي عام 2011، وزلزال النيبال عام 2015 حيث سجل زيادة في حالات العنف ضد النساء والفتيات في المخيمات والملاجئ المؤقتة بعد الكارثة.

وبحسب صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) تكون النساء والفتيات الأكثر استضعافاً وتأثراً خلال الكوارث، لأنهن يشكلن الغالبية من الفقراء في العالم وغالباً ما يتحملن العبء الرئيسي للحصول على الغذاء والماء وغير ذلك من المؤن الضرورية لأسرهن.

وبحسب UNFPA يؤدي النزوح القسري والهجرة إلى زيادة تفاقم الظلم الذي تتعرض له النساء والفتيات ويجعلهن عرضه لخطر أكبر وهو الاغتصاب والتحرش والاستغلال الجنسيين والاتجار بالبشر والاستغلال نتيجة تعطل خدمات الحماية وغياب الشرطة.

تغييب حتى النهاية

وتذكر مستشارة النوع الاجتماعي في منظمة "أوكسفام"، بالمعاناة النفسية، حيث تضطر النساء في مختلف الكوارث أو الحروب لتقديم الدعم النفسي للعائلة ومحيطها دون أن تتلقى هي بالضرورة دعماً نفسياً مقابلاً، وهو ما يجعلهن عرضة لكثير من المشاكل النفسية المرتبطة بما بعد الصدمة. 

ولا يقتصر تهميش النساء على عدم تحضيرهن للتعامل مع الكارثة وعدم الاخذ باحتياجاتهم كأولويات خلال الاستجابة الإنسانية بعد الكارثة، وانما يمتد التهميش إلى ما بعد الكارثة ومرحلة التصليح والاعمار. 

وبحسب قزاز لا تقتصر معاناة النساء على فقدان الأمان والمأوى، بل وعند مراحل إعادة الاعمار يتم تهميش النساء من المشهد بصورة كاملة، "حيث تذهب التعويضات إلى الرجال الذين يحددون كيفية إعادة الاعمار بما يناسبهم، دون رؤية للنساء في الغالب، حتى المساعدات والاعانات التي يتم توزيعها يتحكم بها الرجال، هناك كثير من القضايا والقصص التي تظهر لنا أن تجربة الرجل مع الكارثة مختلفة تماماً عن تجربة المرأة".

"لذا نطالب دائما ان تكون الامرأة ممثلة في إعادة الاعمار وفي جهود الاستجابة الإنسانية والإغاثة كذلك للتحضير للمخاطر والكوارث قبل وقوعها، يجب تعزيز حضورهن حتى يتمكن من التعامل مع الكوارث"، تختم قزاز.

مواضيع ذات صلة:

يلينا كابار، المقيمة في فاكيفلي، آخر قرية أرمنية في تركيا، تقوم بإصلاح بطانيتها في الخيمة التي تعيش فيها الآن بعد الزلزال المميت الذي ضرب جنوب تركيا.
يلينا كابار، المقيمة في فاكيفلي، آخر قرية أرمنية في تركيا، تقوم بإصلاح بطانيتها في الخيمة التي تعيش فيها الآن بعد الزلزال المميت الذي ضرب جنوب تركيا.

في "فاكيفلي"، قرية الأرمن الوحيدة المتبقية في تركيا، يحمد السكان كبار السن الرب على أن أحدا منهم لم يلق حتفه خلال الزلازل المدمرة التي ضربت المنطقة لكنهم مع ذلك يخشون على مستقبل مسقط رؤوسهم العزيز.

وألحقت الهزات الأرضية أضرارا بالغة بنحو 30 من إجمالي 40 منزلا حجريا من طابق واحد أو طابقين في القرية وتحيط بها بساتين البرتقال والليمون.

ومنذ وقوع زلزال ثالث قوي، انقطع التيار الكهربائي عن سكان القرية البالغ عددهم 130 شخصا، في حين يجتمع السكان في المقهى طلبا للمأوى والدفء.

كثير من بيوت القرية تصدعت جراء الزلزال كثير من بيوت القرية تصدعت جراء الزلزال

"كل ما نملك"

وأوضح ماسيس، وهو صائغ متقاعد عمره 67 عاما وعاد إلى مسقط رأسه بعد أن قضى 17 عاما في إسطنبول "فاكيفلي هي كل ما نملك.. إنها قرية الأرمن الوحيدة في تركيا. إنها وطننا. ورؤيتها بهذا الشكل تمزق قلبي".

وأضاف:"هذه القرية صغيرة وأبناؤنا يفضلون في الغالب العيش في إسطنبول ... هذا هو الوطن الوحيد الذي عرفناه. بعد هذه الكارثة، لا أدري كم من الوقت ستستغرق إعادة بناء القرية. أخشى كثيرا أن يغادر معظم الناس وتصبح القرية مهجورة".

بعض سكان القرية لجؤوا إلى الخيام خوفا من النوم في بيوتهم بعض سكان القرية لجؤوا إلى الخيام خوفا من النوم في بيوتهم

وتعهد ماسيس، الذي لم يذكر من اسمه سوى الاسم الأول فحسب، بالبقاء مهما تطلبت إعادة البناء من وقت.

وتقع فاكيفلي على جبل موسى في ولاية هاتاي وتطل على مدينة سامانداج الواقعة على الطرف الغربي لحدود تركيا الطويلة مع سوريا.

ويتحدث القرويون فيما بينهم بلهجة أرمينية محلية تُعرف بلهجة أهل جبل موسى الأرمينية وهي لهجة تتخللها كلمات عربية وتركية.

ويغلب المسلمون على سكان تركيا لكن البلاد ما زالت تستضيف بعض المجتمعات المسيحية، وهي فلول تتناقص أعدادها من سكان كانوا يعيشون في كنف الإمبراطورية العثمانية التي سبقت ظهور دولة تركيا الحديثة.

مقهى القرية أصبح ملاذا للباحثين عن الدفء والمأوى مقهى القرية أصبح ملاذا للباحثين عن الدفء والمأوى

واليوم ثمة خلافات بين تركيا وأرمينيا لأسباب أهمها 1.5 مليون شخص تقول أرمينيا إنهم قُتلوا على يد الإمبراطورية العثمانية في العام 1915.

وتصر أرمينيا أن عمليات القتل تصل إلى حد" الإبادة الجماعية".

وتقر تركيا بمقتل الكثير من الأرمن الذين كانوا يعيشون في ظل الإمبراطورية العثمانية خلال اشتباكات مع القوات العثمانية في الحرب العالمية الأولى لكنها تعترض على أعدادهم وتنفي أن يكون الأمر ممنهجا.

وقال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، الأسبوع الماضي إن المساعدات الإنسانية التي أرسلتها أرمينيا من أجل المتضررين من الزلزال يمكن أن تعزز جهود تطبيع العلاقات بين البلدين.

 

"ظلام مرعب"

من جهته، قال عمدة القرية، بيرج كارتو، وهو يحتسي القهوة التركية في كوب من الورق خارج المقهى إن منزله المكون من طابقين تضرر بشدة وإنه ينتظر مفتشي المباني.

وأضاف أنه ليس لديه مكان لتخزين مقتنياته الثمينة في المنزل.

وقالت أرمين هيرجيل (64 عاما) إنها اعتادت العيش في المقهى الذي يحتوي على مولد صغير وأطلقت عليه اسم "هيلتون" لكن انقطاع التيار الكهربائي في القرية يمثل مشكلة حقيقية.

عمدة القرية عمدة القرية

وأردفت: "نحن بحاجة للتدفئة. نحاول الحفاظ على الدفء باحتساء الشاي لكن الليالي باردة ومخيفة حقا وسط الظلام الدامس مع الهزات الارتدادية المستمرة".

وتابعت: "ظننا أن الزلازل توقفت... ووقع الزلزال الثالث مساء الاثنين وكان الدمار أسوأ بكثير. والآن منزلنا غير صالح للسكن ونعيش نصف الوقت في المقهى والنصف الآخر في الخيمة".

وفي الوقت الحالي يعمل الرجال والنساء معا في المطبخ الصغير لطهي الحساء والأرز.